قالت: فكنت أجد وأسوق الأتان فتمشي على المجهود منها كأنها تنزع يديها ورجليها من الوحل من شدة الضعف، قالت: فجعلت لا أمر بشيء إلا استطال علي فرحًا ونادتني الأشياء من كل مكان: هنيئًا هنيئًا لك يا حليمة، قالت: فكنت لا أقدر أمر وحدي لما أسمع من النداء والعجائب حولي، فبينا أنا كذلك إذ برز إلي من الشعب بين الجبلين رجل كالنخلة الباسقة وبيده حربة يلوح لمعانها من النور، فرفع يده اليمنى فضرب بطن الحمار ضربة ونادى: مري يا حليمة بكل سلاماتك، فقد أنزل الله بشارتك، مري فقد أمرني الرحمن أن أدفع عنك اليوم كل شيطان مريد وجبار عنيد، قالت: فقلت لصاحبي: يا فلان أترى وتسمع ما أسمع؟ فيقول: لا، ما لك كالخائفة الوجلة؟ قالت: فقلت: أخاف أن لا ألحق من قومي أحدًا.
فجعلت أسير حتى نزلنا جميعًا متوافين كلنا فرسخين من مكة، فلما أصبحت دخلت مكة وقد سبقني كل نساء بني سعد إلى كل رضيع بمكة، فكدت أنقلب خاوية، فقلت لصاحبي: أنت رجل وأنا امرأة فادخل واسأل عن أعظم الناس نذرًا وخطرًا، قالت: فرجع علي فقال: بنو مخزوم، قالت: قلت: ليس كذا، سل سؤالًا أشفى من هذا، سل من أعظم الناس كلهم قدرًا وخطرًا، قالت: فرجع إلي فقال: عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، قالت: فأقعدت صاحبي في الرحل، ودخلت مكة فأصبت نساء قومي وقد سبقنني إلى كل رضيع في قريش.
قالت: فندمت أشد الندامة على دخول مكة وقلت في نفسي: لو أني أقمت في منزل من منازل بني سعد لكان أحسن لحالتي، وآيست عندها، فجعلت أدخل بيتًا وأخرج من الآخر فإذا نساء قومي قد سبقنني