ما وهم فيه الأصمعىّ عبد الملك بن قريب [1]
أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم بن بشّار الأنبارىّ، أخبرنا ثعلب، حدثنا أحمد بن سعيد بن سلم الباهلىّ، قال: رأيت أبا عمرو بن العلاء والأصمعىّ عند أبى في هذه النيمخايجة [2] ، وأشار إلى نيمخايجة في داره، فتناظرا وتناشدا، فأنشد الأصمعىّ:
عنتا باطلا وظلما كما تعنز عن حجرة الربيض الظّباء [3]
فقال أبو عمرو: صحّفت، إنما هو تعتر، من العتيرة، فصاح [46ب] الأصمعىّ وجلّب [4] وقال: تعنز: تنحر، تضرب بالعنزة، فقال له أبو عمرو: دع ذا عنك، فو الله لا أنشدته بعد وقتك هذا إلا كما قلت لك.
(1) الأصمعى: هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن على بن أصمع أبو سعيد الأصمعى البصرى اللغوى، أحد أئمة اللغة والغريب والأخبار والملح والنوادر. روى عن أبى عمرو بن العلاء، وقرة بن خالد، ونافع بن أبى نعيم، وشعبة، وحماد بن سلمة، وخلق. قال عمر بن شبة: سمعته يقول: حفظت ستة عشر ألف أرجوزة. وقال الشافعى: ما عبر أحد عن العرب بمثل عبارة الأصمعى. قال ابن معنى: ولم يكن ممن يكذب، وكان من أعلم الناس في فنه. وقال أبو داود: صدوق: وكان يتقى أن يفسر الحديث، كما يتقى أن يفسر القرآن. وكان بخيلا، ويجمع أحاديث البخلاء، وتناظر هو وسيبويه، فقال يونس: الحق مع سيبويه، وهذا يغلبه بلسانه. وكان من أهل السنة. ولا يفتى إلا فيما أجمع عليه علماء اللغة، ويقف عما ينفردون عنه، ولا يجيز إلا الأفصح. وعنه أنه قال: «حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لى: كم كتابك في الخيل؟ فقلت: مجلد واحد، فسأل أبو عبيدة عن كتابه، فقال: خمسون مجلدا، فقال له: قم إلى هذا الفرس، وأمسك عضوا عضوا منه وسمه، فقال: لست بيطارا، وإنما هذا شىء أخذته عن العرب فقال: قم يا أصمعى وافعل ذلك، فقمت وأمسكت ناصيته، وجعلت أذكر عضوا عضوا، وأضع يدى عليه، وأنشد ما قالته العرب، إلى أن بلغت حافره، فقال: خذه، فأخذت الفرس.
وكنت إذا أردت أغيظه ركبته وأتيته». وله مصنفات كثيرة. ومات سنة ست عشرة، وقيل خمسة عشرة ومئتين، عن ثمان وثمانين سنة.
(2) لم نجد كلمة «نيمخايجة» فيما بين أيدينا من معاجم اللغة الفارسية، وكلمة «نيم» معناها:
«نصف» بالفارسية.
(3) البيت للحارث بن حلزة اليشكرى من معلقته التى مطلعها:
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
وقوله عننا: أى عرضا، وقد رويت في مادة «عتر، وحجر، وربض» عنتا. والحجرة: الناحية.
(4) جلب: صاح. والجلبة: الصياح، واختلاط الأصوات.