ولكن قريش لم ترض لمسلم أن يقرّ آمنا، وإن كان على أرض غير أرضه، فحين بلغهم أن المسلمين أصابوا بالحبشة دارا وقرارا،
بعثوا في إثرهم رجلين من رجالهم، وحمّلوهما هدايا للنجاشى وبطارقته، وكاد الرجلان أن يكيدا للمسلمين عند النجاشى، ولكن النجاشى حين استمع لهما واستمع للمسلمين، ردّ الرجلين خائبين، وترك المسلمين آمنين.
ويسلم حمزة بن عبد المطلب، ويسلم عمر بن الخطّاب، وكانا رجلى بأس، ففرح لإسلامهما المسلمون، وأسى لإسلامهما المشركون، لما رأوه من انتشار الإسلام على الرّغم ممّا يفعلون، وخال المشركون أنهم لم يبلغوا في الأذى ما يريدون، فائتمروا بينهم أن يمنعوا في الإيذاء إلى حدّ لا يقوى المسلمون له، فكتبوا فيما بينهم كتابا تعاقدوا فيه على بنى هاشم وبنى المطلب، على أن يقطعوا ما بينهم وبينهم، فلا تكون ثمة صلات من زواج أو بيع أو شراء، غير أن ذلك لم يجد شيئا.
ويفقد الرسول نصيرين عزيزين إلى نفسه، كريمين عليه، الواحد بعد الآخر، قبل أن يهاجر إلى المدينة، بنحو من ثلاث سنين، فلقد فقد عمّه أبا طالب، وكان نعم العون له، كفله بعد وفاة جدّه عبد المطلب، ووقف إلى جانبه منذ بعث، يناصره ويرد عند كيد المشركين، وكان المشركون يهابون أبا طالب فلم يقدموا على كثير ممّا كانوا يريدون.
ولا ننسى ما كان من أبى طالب لوفد قريش حين جاء يطلب من أبى طالب أن يسلم إليهم محمدا ويأخذ مكانه عمارة بن الوليد، وكان أنهد فتى في قريش وأجمله، وإذا أبو طالب يقف لهم ناهرا ويقول:
تعطونى ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا ما لا يكون أبدا (1) .