ثم أسلم بعد هؤلاء نفر غيرهم، ودخل الناس في الإسلام أرسالا، من الرجال والنساء.
وبقى الرسول بمن آمن معه يدعو الناس خفية، وما سلم الرسول، وما سلم من معه على الرّغم من عدم مجاهرتهم بالدّعوة من أذى كبير، حملوه راضين، حتى إذا ما أفصحت الدعوة عن نفسها شيئا، وغدت حديث البيئة، لم يكن بد من أن يقف محمد، ومن حوله القليلون المستضعفون، للناس جهرا، يدعون، بعد أن قضوا نحوا من أعوام ثلاثة يسرّون.
وكان هذا عن أمر الله عزّ وجلّ لرسوله بإظهار الدعوة، وهذا حيث يقول تعالى: {فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [1] ، وحيث يقول تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنََاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.} {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} [2] .
وكان الصّدام بين الحق والباطل، وما جبلت النفوس الغافلة أن تخرج من غفلتها في يسر، لا سيما إذا كانت تلك الغفلة تظلّها عقيدة، ويحميها تقليد، وكانت تلك العقيدة وذلك التقليد إرث قرون.
ومشت قريش إلى الرسول تساومه على أن يطلب ما يشاء من ملك أو سيادة أو مال، على أن يترك ما يدعو إليه، فعادوا بغير ما كانوا يأملون، ولقد كانت لهم فيها عظة لو كانوا يتدبّرون.
من أجل هذا عنف هذا الصّدام وقسا، وذاق دعاة الحق من عنفه ومن قسوته الشيء الكثير، وكان ما ذاقوا ابتلاء لهذا الحق، وابتلاء لهم،
(1) الحجر: 94.
(2) الحجر: 8987.