ومما نقله ابن أبي داود عن أبي حاتم السجستاني في موضوع النقط قوله [1] : «وإنما النقط على الإيجاز لأنهم لو تتبعوا كما ينبغي أن ينقط عليه فنقطوه لفسد المصحف، لو نقطوا قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ} * [البقرة: 264] على الفاء والميم والثاء واللام والهاء ونحو ذلك فسد، ولكنهم ينقطون على الميم واحدة فوقها، وواحدة بين يدي اللام، لأن اللام حرف الإعراب وقد تنصب وترفع وتجر، وفتحوا الميم لئلا يظن القارئ أنها (فمثل) وإذا جاء شيء يستدل بغيره ترك مثل قوله تعالى: {قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ (169) } * [آل عمران] ينقط بين يدي القاف واحدة ولا ينقط على التاء شيئا لأن ضمتها تدل على أنهم فعلوا وأما قوله {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) } [الأحزاب] فإنك تنقط تحت التاء واحدة لأن هذه مشددة فتفرق بين المخفف والمشدد، فقس كل شيء بهذا إن شاء الله» .
وكذلك ذهب هذا المذهب ابن مجاهد فقد قال في كتابه في النقط [2] : «وليس على كل حرف يقع الشكل، إنما يقع على ما إذا لم يشكل التبس، ولو شكل الحرف من أوله إلى آخره، أعني الكلمة، لأظلم، ولم تكن فائدة، إذ كان بعضه يؤدي عن بعض» .
وذلك هو نفس موقف أبي الحسين بن المنادي أيضا فإنه يقول [3] : «النقط والشكل إنما جعلا للضرورات المشكلات يسرا، لا أن ينقط كل حرف من الكلمة، سكن أو تحرك فإذا ركب ناقط ذلك فقد خرج عن الحد إلى غيره، ولا طائل في ذلك كله» .
وهذا هو موقف الكتّاب كتاب الرسائل أيضا من مقدار النقط والشكل [4] .
(1) كتاب المصاحف، ص 144.
(2) الداني: المحكم، ص 23. وانظر: ص 210أيضا.
(3) نفس المصدر، ص 210.
(4) قال ابن درستويه (ص 5) : «اعلم أن الكتّاب لا ينقطون ولا يشكلون إلا ما التبس» ، وقد كان النفور من الشكل في الكتب والمراسلات أشد، فقد عرض مرة على عبد الله بن طاهر كتاب مشكول، وكان خطه جميلا فقال: ما أحسن هذا الخط لولا أنه أكثر شونيزه (انظر أبو حيان التوحيدي: رسالة في علم الكتابة، نسخة مصورة، عن الأصل المحفوظ في فينا، في مكتبة جامعة القاهرة برقم(4090) ، لوحة رقم 16)، والشونيز هو الحبة السوداء.(انظر حفني ناصف:
ص 69)، وذكر أبو حيان التوحيدي في رسالته السابقة أخبارا تدل على أن من كتاب الرسائل من كان يحبذ إعجام وشكل الكتابة حتى نسب إلى محمد بن عبد الملك الوزير، (لوحة 16) قوله:
«الكتاب المعجم هو العربي وغير المعجم هو النبطي» ، وذكر (لوحة 17) أن عبد الحميد (لعله