وربما كانت أكثر مشكلات البحث صعوبة هي أن بعضا من جوانبه تعجز جهود فرد
عن إيفائها حق الدراسة، لكن ما لا يدرك جلّه لا يترك كلّه، فلا يزال كثير من مصادر الموضوع مخطوطا، وليس من اليسير تحقيق النصوص تحقيقا تاما، إضافة إلى أن المصاحف القديمة المخطوطة إلى جانب كونها كثيرة ومبثوثة في مكتبات العالم تصعب بل تستحيل أحيانا القراءة فيها بدعوى المحافظة عليها، وقد جعلني ذلك أكتفي بما تيسرت لي القراءة فيه من المصاحف المحفوظة في دار الكتب المصرية، ورغم الفائدة الكبرى التي أتاحتها الأمثلة التي نقلتها من تلك المصاحف فإن القراءة في مصاحف أخرى سوف تكون مفيدة جدا في دراسة المشكلة.
ولعل من مظاهر القصور التي لم أملك تفاديها الاعتماد على كثير من النماذج الخطية المصوّرة، لاستحالة الاطلاع على أصولها، وهذه النماذج إن توفرت فيها الدقة فإنها غير قادرة على تبيان الألوان التي كتبت بها، مما يزيد في صعوبة فهم العلامات ودلالة النقط فيها، وبالمقابل فإن هذا البحث غير قادر على إظهار الألوان المختلفة التي ضبطت بها المصاحف في القرون المتقدمة، إلى جانب أن الآلة الكاتبة غير قادرة أحيانا على نقل بعض الصور الكتابية التي سوف أحرص على تقديم صورة دقيقة لها ما أمكن ذلك، وسوف أكتفي من مجموع النصوص الخطية التي اعتمدت عليها في هذا البحث ببضعة نماذج مصوّرة ألحقتها في آخر البحث.
وقد أحسست في أولى مراحل دراسة هذا الموضوع أن المنهج الذي ينبغي أن يعالج في إطاره لا يمكن إلا أن يكون نابعا من طبيعة اللغة والكتابة نفسها، منهج يقوم على تتبع الظواهر الهجائية في أقدم صورها، ثم يحاول تفهم ما يبدو فيها من قصور في تمثيل النطق تمثيلا دقيقا على ضوء حقيقة كون الكتابات عامة أقل تطورا وأبطأ خطى في مواكبة تطور اللغة المنطوقة، فيتغير نطق الكلمة دون أن تتغير صورة هجائها.
وعلى ضوء هذا المنهج اللغوي التاريخي تناولت دراسة المشكلة في ستة فصول:
جعلت الفصل الأول فصلا تمهيديا، تناولت فيه تاريخ الكتابة العربية وخصائصها قبل مرحلة الرسم العثماني، إلى جانب بيان الأسس التي تقوم عليها الكتابة.
وتناولت في الفصل الثاني تاريخ القرآن الكريم في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وجمعه في خلافة الصديق رضي الله عنه ونسخه في المصاحف في خلافة عثمان رضي الله عنه مع بيان بعض القضايا المتعلقة بذلك.
ودرست في الفصل الثالث موضوعين: الأول: مصادر الظواهر الهجائية في الرسم العثماني، والثاني: بيان موقف علماء السلف من قضيتين: الأولى: موقفهم من التزام الرسم العثماني في كتابة المصاحف، والثانية: موقفهم من تفسير الظواهر الهجائية التي تظهر في الرسم العثماني.