الجبهة وراء آلة دوَّارة، لا يحسبون ذلك جهادًا، إن الجهاد في وهمهم تلاوات وأوراد، وتكرار ما تيسر من ذلك ما دام في الوقت متسع. وقد رأيت صيدليًا مشغولًا ببحث قضية"صلاة تحية المسجد"في أثناء خطبة الجمعة، ومهتمًا بترجيح مذهب على مذهب، فقلت له: لماذا لا تنصر الإسلام في ميدانك، وتدع هذا الموضوع لأهله؟ إن الإسلام في ميدان الدواء مهزوم! ولو أراد أعداء الإسلام أن يسمِّموا أمته في هذا الميدان لفعلوا، ولعجزتم عن مقاومتهم! أفما كان الأولى بك وبإخوانك أن تصنعوا شيئًا لدينكم في ميدان خلا منه، بدل الدخول في موازنة بين الشافعى ومالك؟ وسألنى طالب بأحد أقسام الكيمياء عن موضوع شائك في علم الكلام! فقلت في نفسى: إن جائزة"نوبل"لهذا العام قسِّمت بين نفرمن علماء الكيمياء ليس فيهم عربىّ واحد، وحاجة المسلمين إلى الاستبحار في علوم الكيمياء ماسَّة، وقد أوردت في بعض كتبي كيف أباد الروس قرية أفغانية عندما شنُّوا عليها حربًا كيماوية، وذهب الضحايا في صمت، وتسامع جمهور المسلمين بالنبأ وهو لا يدرى شيئًا عما كان أو يكون. قلت للطالب السائل: إنَّ ما تسأل عنه درسناه قديمًا، وحكايته كيت وكيت، وخير لك أن تنصرف عن هذا الأمر وأن تُقبل بقوة على ماتخصصت فيه، إننا فقراء إلى النَّابغين في المادة التى تتعلمها، وأغنياء عن المشتغلين بالفلسفات الكلامية.. واستتليت ضاحكًا: كانت الكيمياء قديمًا تهتم بتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وتحدث الشعراء عن كيمياء الحظوظ التى ترفع السفلة إلى مناصب العُلا! وسألنى الطالب وهو يضحك أيضًا عن كيمياء الحظوظ هذه؟ فذكرت له بيتى ابن الرومى:
إن للحظ كيمياء إذا ما... مسَّ كلبًا أحاله إنسانا
يرفع الله ما يشاء متى شاء... كما شاء كائنا ما كانا..!!
ص _014