صبرا، فأخذت أفتّش جيوب البلد حتّى وجدته [1] ، فقلت: ما الّذي أنكرت؟ ولم هجرت؟ فقال: إنّ الوحشة تقدح في الصّدر اقتداح النّار في الزّند، فإن أطفئت بادت وتلاشت، وإن عاشت، طارت وطاشت [2] ، والقطر إذا تتابع على الإناء امتلأ وفاض [3] ، والعتب إذا ترك فرّخ وباض [4] ، والحرّ لا يعلقه شرك كالعطاء، ولا يطرده سوط كالجفاء [5] ، وعلى كلّ حال، ننظر من عل، على الكريم نظر إدلال، وعلى اللّئيم نظر إذلال، فمن لقينا بأنف طويل، لقيناه بخرطوم فيل، ومن لحظنا بنظر شزر، بعناه بثمن نزر [6] ، وأنت لم تغرسني ليقلعني غلامك، ولا اشتريتني لتبيعني خدّامك، والمرء من غلمانه، كالكتاب من عنوانه [7] ، فإن كان جفاؤهم شيئا أمرت به فما الّذي أوجب؟ وإن لم تكن علمت به كان أعجب!! ثمّ قال:
ظفرت يدا خلف بن أحمد إنّه ... سهل الفناء مؤدّب الخدّام [8]
أو ما رأيت الجود يجتاز الورى ... ويحلّ من يده بدار مقام [9]
(1) جيوب البلد: جمع جيب وهو المدخل.
(2) بادت: هلكت. تلاشت: تضاءلت، انمحت آثارها.
(3) القطر: المطر.
(4) العتب: البلاء والشدة.
(5) المعنى: لا يملك الحر كالإحسان إليه ولا ينفره سوى الاساءة إليه.
(6) المعنى: من يتكبر علينا نزدريه ونتخلى عنه. نظر إليه. شزرا: بغضب.
الثمن النزر: القليل أو البخس.
(7) المعنى: إن خدام السيد ينبئون عن اخلاف سيدهم.
(8) سهل الفناء: كريم الوفادة. المعنى: ادعو لخلف بالنماء والقوة لأنه جواد.
(9) المعنى: إن الكرم يتجاوز الناس ليصل إلى خلف ويقيم عنده.