تعود حياة البشر بجملتها إلى الله، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند أنفسهم، بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه.. وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه، وهو رسول الله. وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول:"شهادة أن محمدًا رسول الله".
هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها.. وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها، يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية في داخل دار الإسلام وخارجها، في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى. (1)
ولكن الإسلام - كما قلنا - لم يكن يملك أن يتمثل في"نظرية"مجردة، يعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا. فإن وجودهم على هذا النحو - مهما كثر عددهم - لا يمكن أن يؤدي إلى"وجود فعلي"للإسلام، لأن الأفراد"المسلمين نظريًا"الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرون حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية.. سيتحركون - طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي - لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل
(1) راجع فصل"لا إله إلا الله منهج حياة".