الصفحة 16 من 185

وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهَدْي القرآني.

كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية، فهو قد انفصل نهائيًا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيًا ببيئته الإسلامية. حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر.

وكان هناك انخلاع من البيئة الجاهلية، وعُرْفُها وتصورها، وعاداتها وروابطها، ينشأ عن الانخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود. وينشأ من الانضمام إلى التجمع الإسلامي الجديد، بقيادته الجديدة، ومنح هذا المجتمع وهذه القيادة كل ولائه وكل طاعته وكل تبعيته.

وكان هذا مفرق الطريق، وكان بدء السير في الطريق الجديد، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه. ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة، ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى، ولم يعد لضغط التصور الجاهلي، ولا لتقاليد المجتمع الجاهلي عليه من سبيل.

نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت