بسبب بُعْد هذا العالم تدريجيًا عن الإسلام، بفعل عوامل بعضها كامن في تركيب المجتمع وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني... ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الاسلامية، وشردت به نهائيًا بعيدًا عن الله، في أثناء شرودها عن الكنيسة، التي كانت تستطيل على الناس - بغيًا وعدوًا - باسم الله! (1)
وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته - شأنه شأن إنتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع - شيئًا آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي. ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلًا للتصور الإسلامي.. ووجب على المسلم أن يرجع إلى مقومات تصوره وحدها، وألا يأخذ إلا من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه، وإلا فلا يأخذ إلا عن مسلم تقي، يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ عنه.
إن حكاية فصل"العلم"عن"صاحب العلم"لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمفهومات العقيدة المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني، والأوضاع، والقيم، والأخلاق، والعادات، وسائر ما يتعلق بنفس الإنسان ونشاطه من هذه النواحي.
إن الإسلام يتسامح في أن يتلقى المسلم عن غير المسلم، أو عن غير التقي من المسلمين، في علم الكيمياء البحتة،
(1) راجع فصل:"الفصام النكد"في كتاب: المستقبل لهذا الدين.