إن"أشكال"الحضارة الإسلامية التي تقوم على هذه الأسس الثابتة، تتأثر بدرجة التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي، لأنها تستخدم الموجود منها فعلًا في كل بيئة.. ومن ثمَّ لا بد أن تختلف أشكالها.. لا بد أن تختلف لتضمن المرونة الكافية لدخول كافة البيئات والمستويات في الإطار الإسلامي، والتكيف بالقيم والمقومات الإسلامية.. وهذه المرونة - في الأشكال الخارجية للحضارة - ليست مفروضة على العقيدة الإسلامية التي تنبثق منها تلك الحضارة إنما هي من طبيعتها. ولكن المرونة ليست هي التميع.. والفرق بينهما بينهما بعيد جدًا!
لقد كان الإسلام ينشئ الحضارة في أواسط أفريقية بين العراة.. لأنه بمجرد وجوده هناك تكتسي الأجسام العارية ويدخل الناس في حضارة اللباس التي يتضمنها التوجيه الإسلامي المباشر، ويبدأ الناس في الخروج كذلك من الخمول البليد إلى نشاط العمل الموجه لاستغلال كنوز الكون المادي، ويخرجون كذلك من طور القبيلة - أو العشيرة - إلى طور الأمة، وينتقلون من عبادة الطوطم المنعزلة إلى عبادة رب العالمين.. فما هي الحضارة إن لم تكن هي هذا؟ .. إنها حضارة هذه البيئة، التي تعتمد على إمكانياتها القائمة فعلًا.. فأما حين يدخل الإسلام في بيئة أخرى فإنه ينشئ - بقيمه الثابتة - شكلًا آخر من أشكال الحضارة يستخدم فيه موجودات هذه البيئة وإمكانياتها الفعلية وينميها.
وهكذا لا يتوقف قيام الحضارة - بطريقة الإسلام ومنهجه - على درجة معينة من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي. وإنْ كانت الحضارة حين تقوم تستخدم هذا التقدم - عند وجوده - وتدفعه إلى الأمام دفعًا، وترفع