وبعد.. فإن قاعدة انطلاق المجتمع الإسلامي، وطبيعة تكوينه العضوي، تجعلان منه مجتمعًا فريدًا لا تنطبق عليه أية من النظريات التي تفسر قيام المجتمعات الجاهلية وطبيعة تكوينها العضوي.. المجتمع الإسلامي وليد الحركة، والحركة فيه مستمرة، وهي التي تعين أقدار الأشخاص فيه وقيمهم، ومن ثم تحدد وظائفهم فيه ومراكزهم.
والحركة التي يتولد عنها هذا المجتمع ابتداء حركة آتية من خارج النطاق الأرضي، ومن خارج المحيط البشري.. إنها تتمثل في عقيدة آتية من الله للبشر، تنشئ لهم تصورًا خاصًا للوجود والحياة والتاريخ والقيم والغايات، وتحدد لهم منهجًا للعمل يترجم هذا التصور.. الدفعة الأولى التي تطلق الحركة ليست منبثقة من نفوس الناس ولا من مادة الكون.. إنها - كما قلنا -آتية لهم من خارج النطاق الأرضي، ومن خارج المحيط البشري.. وهذا هو المميز الأول لطبيعة المجتمع الإسلامي وتركيبه.
إنه ينطلق من عنصر خارج عن محيط الإنسان وعن محيط الكون المادي.
وبهذا العنصر القدري الغيبي الذي لم يكن أحد من البشر يتوقعه أو يحسب حسابه، ودون أن يكون للإنسان يد فيه - في ابتداء الأمر - تبدأ أولى خطوات الحركة في قيام المجتمع الإسلامي، ويبدأ معها عمل"الإنسان"أيضًا. إنسان يؤمن بهذه العقيدة الآتية له من ذلك المصدر الغيبي، الجارية بقدر الله وحده. وحين يؤمن هذا الإنسان الواحد بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الإسلامي (حكمًا) .. إن الإنسان الواحد لن يتلقى هذه العقيدة وينطوي على نفسه.. إنه سينطلق بها.. هذه طبيعتها.. طبيعة الحركة الحية.. إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب تعلم أنها