وَمَعَ هَذِهِ اَلْمَذَاهِبِ كَانَ اَلْمَذْهَبُ اَلظَّاهِرِيُّ فِي اَلْعِرَاقِ أَيْضًا وَلَهُ أَنْصَارٌ كَثِيرُونَ, كَمَا نَهَضَتِ اَلْعُلُومُ اَللِّسَانِيَّةُ نُهُوضًا حَثِيثًا بِسَبَبِ تَفَشِّي اَللَّحْنِ بَيْنَ اَلنَّاسِ وَظَهَرَتْ كُتُبٌ جَدِيدَةٌ فِي هَذَا اَلْفَنِّ, حَتَّى أَنَّ مَجَالَ اَلشِّعْرِ قَدْ تَوَسَّعَ بَعْدَ أَنْ أَمَدَّتْهُ رَوَافِدُ جَدِيدَةٌ إِذْ ظَهَرَ كَثِيرٌ مِنْ شُعَرَاءِ اَلْفُرْسِ وَأُدَبَائِهِمْ فَتَلَوَّنَتِ اَلثَّقَافَةُ اَلْعَرَبِيَّةُ بِهَذِهِ اَلثَّقَافَاتِ كَمَا ظَهَرَتْ مُؤَلِّفَاتٌ فَلْسَفِيَّةٌ وَكَلَامِيَّةٌ وَكَانَ مِنْ أَشْهرِ مُتَكَلِّمِي هَذَا العَصْرِ أَبُو عَلِيٍّ اَلْجُبَّائِيُّ (1) اَلْمُعْتَزِلِيُّ كَمَا كَانَ اَلْفَارَابِي (2) مِنْ أَشْهَرِ فَلَاسِفَةِ هَذَا اَلْعَصْرِ, وَالْعِرَاقُ كَانَ فِي هَذِهِ اَلْفَتْرَةِ مُلْتَقَى اَلثَّقَافَاتِ وَمَرْكَزَ اَلثِّقَلِ اَلْعِلْمِيِّ فِي اَلْعَالَمِ اَلْإِسْلَامِيِّ بِلَا نِزَاعٍ , وَكَانَ عُلَمَاؤُهُ هُمْ اَلْقَادَةَ فِي مُخْتَلِفِ اَلْعُلُومِ وَالْفُنُونِ رَغْمَ اِخْتِلَافِ اَلِاتِّجَاهَاتِ اَلَّتِي يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا, وَقَدْ سَاعَدَ عَلَى هَذَا اَلتَّقَدُّمِ اَلْفِكْرِيِّ أُمُورٌ أَهَمُّهَا:
1-مَا سَبَقَ هَذَا اَلْعَصْرَ مِنْ حَرَكَةِ اَلتَّرْجَمَةِ لَكُتِبَ اَلْفَلْسَفَةِ وَالْمَنْطِقِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَلْوَانِ اَلْفِكْرِ اَلْيُونَانِيِّ, وَلَمْ يَكْتَفِ عُلَمَاءُ اَلْمُسْلِمِينَ بِهَذَا فَحَسْبُ بَلْ صَارَتْ لَهُمْ مُؤَلَّفَاتٌ هَامَّةٌ شَهِيرَةٌ فِي هَذِهِ اَلْأَبْحَاثِ.
2-اِتِّجَاهُ اَلْعُلَمَاءِ إِلَى نَاحِيَةِ اَلتَّخَصُّصِ بِسَبَبِ اِتِّسَاعِ آفَاقِ اَلْعُلُومِ.
(1) - توفي سنة 405 هـ .
(2) - توفي سنة 303 هـ .