الرابع: أنه أتى به ليفيد أن الإشهاد مطلوب سواء كان الدين صغيرًا أو كبيرًا , كما سبق نظيره في قوله تعالى: (فإن كانتا اثنتين) , ويدل على هذا ههنا قوله بعد ذلك: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) .
الخامس: أن (تداينتم) مشترك بين الاقتراض والمبايعة والمجازاة , وذكر الدين لتمييز المراد (60) .
وهذا الجار والمجرور (بدين) يعدُّ قيدًا آخر , وعقبة أخرى أمام انتشار هذا الضرب من المعاملات؛ لأنه يفيد العموم , ومعنى أن كل دين ينبغي فيه الكتابة؛ فإنه تضييق لهذا الباب , وإلجاء إلى البيع الناجز الذي لا يتبقى فيه شيء في ذمة أحد , والإسلام حريص على صفاء النفوس من كل شاغل.
بلاغة وصف الأجل بـ (مسمى)
في قوله تعالى: (إلى أجل مسمى) جاء الجار والمجرور ليكون وصفًا لقوله مسبقًا (بدين) , وكأن المعنى: _ إذا تداينتم بدين مؤجل _ ثم وصف الأجل أيضا بقوله (مسمى) .
وسيأتي حديث عن وصف آخر , وهو وصف الكاتب بأنه (عَدْل) في قوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل)؛ أي: عادل , وكثرة هذه الأوصاف تشير إلى عدة أمور:
منها: ضبط وتحديد الشروط اللازمة في عملية الديون , حتى لا يترك الأمر لاجتهاد أحد ,
فتختلف الرؤى ,' فيحدث الشقاق.
ومنها: أن هذه الأوصاف إنما تضيِّق التعامل ولا توسعه.
وهذا معنًى يسري في جنبات الآية؛ أعني: وضع القيود والعقبات
التي تقلل من هذه المعاملة , وفي ذات الوقت تضبط ما يتم منها.
ومنها: أن المفهوم من هذه الضوابط , والشروط أن من خالف شيئا منها كان آثما , أو على الأقل متهاونًا فيما أقره القرآن الكريم.
وقد يكون قوله: (إلى أجل) متعلقًا بالفعل (تداينتم) , والأجل هو: الوقت , أو هو: (مدة من الزمان محدودة النهاية , مجعولة ظرفًا لعمل غير مطلوب فيه المبادرة؛ لرغبة ِتمام ذلك العمل عند انتهاء تلك المدة , أو في أثنائها.
والأجل: اسم وليس بمصدر؛ لأن المصدر: التأجيل , وهو إعطاء الأجل , ولما كان فيه من معنى التوسعة في العمل أطلق الأجل على التأخير (61) , ولما نكّر الأجل وصف بقوله:
(مسمى) ؛ أي: معلوم بالأيام والأشهر , ونحو ذلك., و (إلى) هنا هي الغائية , ومن معاني الغاية فيها: تحديد الوقت المخصوص للسداد بأن يكون عصرًا أو ظهرًا أو صباحًا أو في ساعة كذا , وهذا مفهوم من معنى الغائية الكامن في (إلى) .
بلاغة الاستعارة في قوله (مسمى)
يرى الطاهر بن عاشور -رحمه الله - أن في كلمة (مسمى) استعارة تصريحية؛ حيث يقول: (المسمى: حقيقته المميز باسم - يميزه عما يشابهه في جنسه أو نوعه ... والمسمى هنا مستعار للمُعَيَّن المحدود , وإنما يقصد تحديده بنهاية من الأزمان المعلومة عند الناس , فشبه ذلك بالتحديد بوضع الاسم , بجامع التعيين؛ إذ لا يمكن تمييزه عن أمثاله إلا بذلك , فأطلق عليه لفظ التسمية , ومنه قول الفقهاء: المهر المسمى؛ فالمعنى: أجل معين بنهايته) (62) .
ولعل هذه الاستعارة تعيدنا إلى بيان النبي -صلى الله عليه وسلم - في تحديد الأجل؛ حيث استعمل لفظًا آخر , ففي الحديث الصحيح: (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم , ووزن معلوم , إلى أجل معلوم) .
ولا شك أن كلمة (معلوم) مع موافقتها لما سبق في تحديد الأجل , إلا أن لفظ (مسمى) أكثر إيضاحًا؛ لأن العلم قد يتحصل عن غير نطق وتصريح , لكن الأجل المسمى لا يقال له (مسمى) إلا إذا صُرِّح به لفظًا وكتابة أيضًا؛ فتسمية الأجل أكثر جلاءً من مجرد العلم به , وهذا يشير إلى أن هذه المعاملات ينبغي أن تقوم على الشفافية والتصريح؛ حتى لا يتلاعب الشيطان بالعقول والقلوب.
أضف إلى هذا: أن (المعلوم) قد يكون على العموم , كما في نحو البيع بالأجل إلى الحصاد , أو دخول الشتاء , أو انتهاء الصيف.
أما المسمى , فإنه معلوم باليوم , والشهر , والساعة , وهذا يتناغم مع دلالة (إلى) السابقة , ثم إن الأجل في القرآن الكريم لم يوصف قط بلفظ (معلوم) , لكنه وصف بكلمة (مسمى) وذلك كما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (الأنعام:2
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)