لكنها أيًا كانت لا تغير من الحقيقة شيئًا، وهي أن نسبة اليهود في الجماعات الهدامة عالية.
يرفض «المفكر العربي» أي ربط بين الماسونية واليهودية، ومن ثم يرفض القول بوجود تعاون سري بينهما للسيطرة على العالم وتخريب المجتمعات، ثم يثبت في نفس الوقت أن ثمة علاقة سرية بنيوية وفعلية قائمة بين الماسونيين وأعضاء الجماعات اليهودية. يقول «المفكر العربي» : «حينما يربط المعادون لليهود بينهم وبين الحركة الماسونية فإنهم محقون في ذلك تمامًا؛ إذ إن نسبة أعضاء الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية عادة ما يكون أعلى» . ينفي «المفكر العربي» فكرة ارتباط عضوية اليهود في الجماعات الماسونية بيهوديتهم أو بعقيدتهم، ويرى أن انخراطهم في المحافل الماسونية يمثل بالنسبة لبعض منهم صياغة دينية مخففة تساعدهم على التخلص من هويتهم الدينية دون إحساس بالحرج من عدم وجود إيمان ديني على الإطلاق. هذا التفسير الذي يقول به «المفكر العربي» ليس له من دليل قاطع يثبته، ومع ذلك تظل أمامنا حقيقة قائمة أثبتَ ـ هو ـ بالدليل القاطع صحتها، وهي أن هناك ارتباطًا بين اليهود والمحافل الماسونية.
? اليهود فئه أم فئات؟
المحور الأساس الذي تدور حوله كل تسويغات «المفكر العربي» ـ د. عبد الوهاب المسيري ـ للسلوكيات اليهودية هو أنه ينظر إلى اليهود ليس بوصفهم يهودًا وإنما لكونهم (جماعات يهودية) تشكلت من خلال المحيط الحضاري الذي تنتمي إليه، وليس رغمًا عنه، وأصبحت (جماعات وظيفية) تم دمجها في مجتمعاتها، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ منه خاضعة تمامًا لآلياتها، وليس أكثر من ذلك؛ ومن ثم لا شأن لليهود ولعقيدتهم الدينية في كل ما ينسب إلى اليهود من سلوكيات. ويعترف «المفكر العربي» بأن هذا المَخرج الذي اخترعه هو الذي أعطى القيمة التفسيرية لتحليلاته عن اليهود؛ وذلك لأن مصطلح «جماعات» يؤكد عدم التجانس، رغم وجود عنصر تشابه ووحدة بينها وهو «اليهودية» ، ثم يعود المفكر العربي بعد ذلك إلى القول: إن هذا لا يمنع من حفاظ اليهود على بعض معالم الهوية العرقية لهم.
«المفكر العربي» غير مقتنع برؤية «هتلر» في كذب ادعاء اليهود بأنهم طائفة دينية، وأنهم في الحقيقة «جنس» كسائر الأجناس، لقد نجح اليهود في إذابة جنسهم وقوميتهم في عقيدتهم. وهذا هو ما فات على «مفكرنا العربي» أو تجاهله، فبدا دفاعه عن عدم ربط سلوكيات اليهود بعقيدتهم مقبولًا؛ فلا يمكن والحال هذه الربط بين التوراة كما أنزلها الله ـ سبحانه وتعالى ـ وبين سلوكيات اليهود المشينة؛ فقد وصف الله ـ تعالى ـ هذه التوراة بأن فيها هدى ونورًا، وأن رسول الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- مكتوب عندهم في هذه التوراة وفي الإنجيل كذلك. وصمت «المفكر العربي» عن بيان أن اليهود لم يقيموا هذه التوراة، وأنهم حرّفوا الكلم عن مواضعه؛ ومن ثم فإنهم ليسوا على شيء. ومن هنا جاء التلبيس من «المفكر العربي» حيث جمع بين عقيدة اليهود - كما جاءت في التوراة - وبين اليهود كجنس، ثم بيَّن أن كل ما ينسب إلى اليهود لا شأن له بعقيدتهم الدينية، وبدلًا من أن ينسب هذه السلوكيات إلى اليهود كجنس نسبها إلى ما يسميه بـ «الجماعات اليهودية الوظيفية» التي تكون الوظيفة هي سبب تجانسها وليست العقيدة، وعضو الجماعة الوظيفية في نظر ـ المفكر العربي ـ هو إنسان اقتصادي محْض متحرر من القيم الأخلاقية، يكرس ذاته لمنفعته وللذته، ويؤمن بالنسبية الأخلاقية، وبازدواجية المعايير، ومرجعيته النهائية في علاقته بالمجتمع المضيف مرجعية مادية. وهذا الحكم بالرغم من احتمال صحته فيه تعميم شامل، وليس هناك من دليل قطعي لإثبات صحته. إن القيمة الكبرى التي يعطيها اليهود «للتلمود» ورفع مكانته فوق مكانة التوراة يجعله بمثابة عقيدة اليهود الأولى؛ ومن هنا تسقط تمامًا كل دفاعات «المفكر العربي» الرافضة للربط بين سلوكيات اليهود وعقيدتهم الدينية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)