وصلوا وسلموا على خير البرية ...
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا إخوة الإيمان، قد سبقَ الحديثُ عن المنافقين وخطرِهِمْ، وبَليَّةِ الإسلامِ بهم، ومحنةِ المسلمين معهم، وانخداعِ البعضِ بهم لخفائِهِم، ووعدتُ في هذه الخطبةِ بالحديث عن سِماتِهم وصِفاتِهم التي تُميطُ اللِّثَامَ عن وجوههمُ الكالحة البغيضة، مسترشدًا ومستهديًا بالكتاب والسنة.
فقد ذكر الله عز وجل من صفات المنافقين شيئًا كثيرًا، وكذلك عدَّدَ رسولُ اللهِ بعضَ صفاتِهم، لكي نحذر الوقوعَ فيها، ولنعلم أيضًا المنافقين بصفاتهم، سواء كانت مجتمعة كلّها أو معظمها، ولنحذِّر غيرنا من الوقوع فيها. فهي سببٌ للانحرافِ عن منهجِ اللهِ، والبعدِ عنِ الإسلامِ وتعاليمِهِ من حيث يشعر مرتكبها أو لا يشعر.
فمن أبرز صفاتهم، بغض الرسول، وازدراؤُهُ، وتَنقُّصُهُ، فالذين عاشوا معه كانوا يؤذونهُ بأفعالهم وأقوالهم .. وأخلافُهُمُ اليوْمَ يُؤَلفُونَ الكتبَ، ويحرِّرون المقالاتِ في جرائدِهمْ، ويعقدون الندواتِ والمحاضراتِ سعيًا في تشويه حياة النبي ودعوتهِ.
ومن صفاتهم، بغضهم لشرائع الإسلام، فتجدهم يتذمرون من الفرائض والأحكام الدينية، ويقيمون الحملاتِ لمحادَّةِ هذه الأحكام والتلاعب بها باسم الإصلاح والمرونة، ويستخرجون الفتاوى الملفقة المصطنعة تحقيقًا لأمانيهم، أو تقربًا إلى سادتهم وأولياء نعمتهم.
ومن صفاتهم، أنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم، أو ما فيه مصلحتهم، ولا يفعلون ذلك لوجه الله بل رياءً للمؤمنين، وإذا أدَّوا شيئًا من العبادات فإنما يستكرهون أنفسهم عليه، ويؤدونه بتكاسل وتثاقل ... قال تعالى: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ?لصَّلَو?ةِ قَامُواْ كُسَالَى? يُرَاءونَ ?لنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ?للَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:142] .
ومن صفاتهم، أنهم يسعون للإفساد في الأرضِ بتيسير سبل الفساد التي تحطم الأخلاقَ وتقضي على الفضائلِ الإنسانيةِ .. قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ?لارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ?لْمُفْسِدُونَ وَلَـ?كِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .
نعم فهم إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض، برَّروا سلوكَهُمُ المنافق المفسد بأنه من الأعمال الإصلاحيةِ، وجعلوا الباطلَ حقًا، والحقَّ باطلًا دونَما حياءٍ ... يفتتحون الكازينوهات وعلبَ الليل، ويقولون: نشجعُ الفنَّ ... ويُحْيُونَ الشعوذةَ والدَّجلَ، ويقولون: نحيي التراث والثقافة ... ويسمون الأشرطة التي تدعو إلى الإسلام وتمسك الناس بدينهم أشرطة التطرُّف، والأشرطة التي تدعو إلى المجون والرذيلةِ وإفسادِ عقولِ وقلوبِ الشبابِ أشرطةَ الفنِّ الرفيع.
ومن صفاتهم، أنهم متكاتفون مع بعضهم، ويعين بعضهم بعضًا على الشر، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، قال تعالى: ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لْمُنَـ?فِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِ?لْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ?للَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ هُمُ الْفَـ?سِقُونَ [التوبة:67] .
فهم يشجعون ويحرضون على الزنا، والقمار، والعُريِ ... وإذا رأوا إنسانًا سائرًا في طريق الخير سفَّهوه واحتقروه، بل يستغلون كلَّ فرصة للطعن في المتمسكين بتعاليم الإسلام وتشويههم والتحريض عليهم.
ومن صفاتهم، أنهم يتحاكمون إلى الطواغيت الذين يحققون لهم رغباتهم في ظلم الآخرين، ولا يتحاكمون إلى ما أنزل الله وإلى رسوله، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى? مَا أَنزَلَ ?للَّهُ وَإِلَى ?لرَّسُولِ رَأَيْتَ ?لْمُنَـ?فِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء:61] .
فمن أعرض عمدًا عن حكم الله ورسوله كان منافقًا.
ومن صفاتهم، أنهم يوالون الكفار، ويخدمونهم، ويتجسسون لهم ضدَّ المؤمنين، ويعينوهم على المسلمين، قال تعالى: تَرَى? كَثِيرًا مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ?للَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ?لْعَذَابِ هُمْ خَـ?لِدُونَ [المائدة:80] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)