وهو حديث طلق بن علي.
فإن قلنا بالترجيح حديث بسرة أرجح من وجوه، أرجح من وجوه: أولًا: من حيث الصناعة هو أرجح، لكثرة القوادح في حديث طلق، الأمر الثاني: أنه ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبقي على الأصل والناقل أولى، حديث طلق مؤكد للبراءة الأصلية، وحديث بسرة مؤسس لحكم جديد والتأسيس أولى من التأكيد، وإذا قلنا وأردنا أن نجمع ولم نلجأ إلى الترجيح، وقلنا: هما على حد سواء كما يقول بعضهم، قلنا: إن الأمر في حديث بسرة إنما هو للاستحباب لا للوجوب، وهو وإن كان الأصل في الأمر الوجوب إلا أن حديث طلق بن علي يصرفه من الوجوب إلى الاستحباب.
(( من مس ذكره فليتوضأ ) )الأصل أن المس مباشرة البشرة للبشرة، والمقصود من مسه بيده، وإلا ما عدا اليد معروف أنه ليس بموضع أو محل للمسح، وهل يشترط في المس القصد أو لا يشترط؟ (( من مس ذكره ) ) (من) (( من مس ذكره فليتوضأ ) )هل يشترط أن يكون بقصد؟ نعم؟
طالب:
كيف؟
طالب:
عموم، عموم نعم، يعني لو أراد أن يتنشف مثلًا بعد الغسل ومن غير قصد مس ذكره، هل يختلف حكمه فيما لو قصد المس؟ وهل يستوي في ذلك باطن الكف وخارج الكف؟ في رواية: (( من أفضى بيده ) )والإفضاء يستوي فيه الباطن والظاهر، وإذا قلنا بقول من يقول على الاستحباب، يستحب أن يتوضأ، يستحب أن يتوضأ من المس سواءً كان بباطن الكف أو بظاهره بقصد أو بغير قصد، وهذا قول مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن يأتي فيه ما جاء في الحديث السابق، القُبلة، إذا قلنا: إن القبلة مظنة لخروج الشيء، ومس الذكر مظنة لخروج الشيء، إن خرج لزمه وجوبًا أن يتوضأ، وإن لم يخرج لزم عليه تجديد الوضوء وهو لم يستعمل الوضوء الأول، مثلما قلنا في الحديث السابق، لكن حديث بسرة صحيح ولا محيد عن العمل به، والمس يشمل ما كان بقصد وبغير قصد، فلا شك أن الاحتياط في الوضوء في مثل هذا.
الحديث الذي يليه:
حديث"عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( من أصابه قيء أو رعاف أو قلْس -أو قلَس، بتحريك اللام وإسكانها- أو مذي فلينصرف فليتوضأ, ثم ليبنِ على صلاته, وهو في ذلك لا يتكلم ) )أخرجه ابن ماجه، وضعفه -الإمام- أحمد وغيره".
(( من أصابه قيء أو رعاف أو قلْس -قال: أو قلَس- أو مذي فلينصرف فليتوضأ, ثم ليبنِ على صلاته, وهو في ذلك لا يتكلم ) )أخرجه ابن ماجه، وضعفه أحمد وغيره"ولا شك أن الحديث ضعيف، الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، إسماعيل بن عياش شامي روايته عن الشاميين صحيحة، وروايته عن غير أهل بلده ضعيفة، وهذا من روايته عن غير أهل بلده، فهو ضعيف."
وبعضهم رجح إرساله، والصحيح أنه مرسل، قال أحمد والبيهقي: المرسل الصواب، المرسل الصواب، بعضهم قال: رفعه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- غلط، وعلى كل حال الحديث ضعيف، الحديث ضعيف لما ذكرنا أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وروايته عنهم ضعيفة، وعلى هذا ينظر إلى أدلة أخرى غير هذا الحديث في نقض الوضوء بهذه الأشياء، فالقيء في غير هذا الحديث نعم القيء والقلس؛ لأن القيء الذي يخرج من الجوف وفيه كثرة يعني خلاف القلس يخرج من الجوف وهو بقدر ما يملأ الفم، ولا يصل إلى حد القيء.
والرعاف: ما يخرج من الأنف من الدم، والمذي: تقدم في حديث علي، المذي فيه حديث علي الذي تقدم، (( يغسل ذكره وأنثييه ثم ليتوضأ ) )فهو ناقض، أما القيء والرعاف والقلس يدل هذا الحديث على أنها ناقضة، لكن عرفنا أن هذا حديث لا تقوم به حجة، منهم من يقول: أنه يلحق بالخارج من البدن غير البول والغائط كالدم مثلًا، يلحق به ما يفحش من البدن، ولو كان من غير موضع الخارج استدلالًا بهذا الحديث من وجه، ولمشاركته ما يخرج من الخارج، فكون فضلة الطعام تخرج من المخرج أو من غير المخرج يستوي الأمر في ذلك عند بعضهم، الدم يخرج من المخرج بالحيض أو الاستحاضة أو من غير المخرج من جرح أو نحوه سيان عند بعضهم، إضافة إلى هذا الحديث الذي فيه نقض الوضوء بالرعاف، لا شك أن القياس مع الفارق، القياس قياس لا تتوافر فيه شروط القياس من استواء الفرع مع الأصل في العلة، ومع ذلكم الحديث ضعيف، ولذا ذهب مالك والشافعي وجمع غفير من أهل العلم إلى أن القيء ...
بسم الله الرحمن الرحيم
بلوغ المرام - كتاب الطهارة (9)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)