فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلاَمَهَا قَامَ وَجَاءَ إِلَى الرَّحَا وَ أَخَذَ الشَّعِيْرَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ الشَّرِيْفَةِ وَوَضَعَهُ فِيْ الرَّحَا، وَقَالَ:"بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْم"، فَدَارَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ يحبط لها الشَعِيْرَ بِيَدِهِ المُبَارَكَةِ، وَهِيَ تَدُوْرُ وَحْدَهَا، وتُسَبِّحُ اللهَ تَعَالَىْ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ حَتَّى فَرَغَ الشَعِيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّحَا:"اسْكُنِيْ بإذْنِ اللهِ تَعَالَى"، فَسَكَنَتْ وَنَطَقَتْ بإذْنِ اللهِ الَّذِيْ أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَالَتْ بِلِسَانٍ فَصِيْحٍ عَرَبِيٍّ:"يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا وَسُوْلًا، لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَطْحَنَ شَعِيْرَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لَطَحَنَتْهُ كُلَّهُ، وَإِنِّيْ سَمِعْتُ فِيْ كِتَابِ اللهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ، فَخِفْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ أَنْ أَكُوْنَ مِنَ الحِجَارَةِ اللاَّتِيْ يَدْخُلْنَ النَّاَر". فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَبْشِرِيْ، فَإنَّكِ مِنْ حِجَارَةِ قَصْرِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء فِيْ الْجَنَّةِ". فَعِنْدَ ذَلِكَ فَرِحَتْ الرَّحَا وَاسْتَبْشَرَتْ وَسَكَنَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاِبْنَتِهِ فَاطِمَةَ:"لَوْشَاءَ اللهُ يَافَاِطَمُة لَطَحَنَتْ لَكِ الرَّحَا وَحْدَهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ < ص 13 > اللهُ تَعَالَى أَنْ يَكْتُبَ لَكِ الحَسَنَاتِ، وَيُكَفِّرَ لَكِ السيِّآتِ، وَيَرْفَعَ لَكِ الدَرَجَاتِ."