الصفحة 123 من 156

قال: «فالجواب: أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعات بقراءات مختلفة فنقل ذلك على ما قرأ، فكانوا في برهة من أعمارهم، يقرءون الناس بما قرءوا. فمن قرأ عليهم بأي حرف كان لم يردوه عنه، إذ كان ذلك مما قرءوا به على أئمتهم» .

«ألا ترى أن نافعا قال: قرأت على سبعين من التابعين، فما اتفق عليه اثنان أخذته، وما شك فيه واحد تركته. يريد والله أعلم مما خالف المصحف. وكان من قرأ عليه بما اتفق فيه اثنان من أئمته لم ينكر عليه ذلك» .

«وقد روي عنه أنه كان يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له: نريد أن نقرأ عليك باختيارك مما رويت» .

«وهذا قالون [1] ربيبه وأخص الناس به، وورش [2] أشهر الناس المتحملين إليه اختلفا في أكثر من ثلاثة آلاف حرف من قطع وهمز وتخفيف وإدغام وشبهه» .

«ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه ولا نقلها أحد عن نافع غير ورش، وإنما ذلك لأن ورشا قرأ عليه بما تعلم في بلده فوافق ذلك رواية قرأها نافع على بعض أئمته فتركه على ذلك. وكذلك ما قرأ عليه به قالون وغيره» .

ثم قال: «فإن سأل سائل: ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة بالقراءة دون من هو فوقهم، فنسبت إليهم السبعة الأحرف مجازا، وصاروا في وقتنا أشهر من غيرهم ممن هو أعلى درجة منهم وأجل قدرا؟» .

فالجواب: أن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد، كثيرا في الاختلاف. فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم، واشتهر أمره وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرئ به، ولم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل مصر وجّه إليه عثمان رضي الله عنه مصحفا إماما، هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر.

(1) قالون: هو عيسى بن ميناء بن وردان بن عيسى المدني، مولى الأنصار، أبو موسى، ولد بالمدينة سنة 120هـ، وتوفي فيها سنة 220هـ، أحد القراء المشهورين عالم بالعربية والقراءة.

(الأعلام 5/ 110، النجوم الزاهرة 2/ 235، إرشاد الأريب 6/ 103، غاية النهاية 1/ 615، التاج 9/ 313) .

(2) ورش: هو عثمان بن سعيد بن عدي المصري، ولد بمصر سنة 110هـ، وفيها توفي سنة 197هـ، من كبار القراء، غلب عليه لقب ورش لشدة بياضه، وأصله من القيروان. (الأعلام 4/ 205، إرشاد الأريب 5/ 33، غاية النهاية 1/ 502، التاج 4/ 364) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت