لكل علم إذا استوى على سوقه ثمرة، وثمرة علم علل الحديث الرئيسة حفظ السنة، ففي حفظها صيانة لها، ونصيحة للدين، وتمييز ما قد يدخل على رواتها من الخطأ والوهم وكشف ما يعتريهم، وبيان الدخيل فيها، وبها تقوى الأحاديث السليمة؛ لبراءتها من العلل [1] .
تاريخه:
يمكن جعل البداية الحقيقية لهذا العلم من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي [2] ، فهم أول من فتّش عن الرجال في الرواية، وبحثوا عن النقل في الأخبار.
ثم تلقّى التابعون عن الصحابة نقد الأخبار وتمييز الروايات، كسعيد بن جبير، والشعبي، وابن سيرين، وفي هذا العصر ازدادت الحاجة إلى النقد، حيث طرأت أمور دعتهم إلى نقد المرويات وتمييزها، فقد كثرت الفتن، وتعددت الفرق، وظهرت البدع والمحدثات، كبدعة التشيع والخوارج، وكثر المشتغلون بعلم الحديث، واتسعت دائرتهم، وزادت أعداد حملة الآثار، ونشطوا للرحلة والطلب .. فدخل في ذلك من يحسن ومن لا يحسن، واختلفت أغراض الرواة، وتعددت مشاربهم [3] .
وفي عصر تابعي التابعين زادت الأمور السالفة خطرًا، فانتشرت البدع بشكل متزايد، وكثر موجودها، وطالت الأسانيد وكثر رجالها، ولم يبق الوهم مقتصرًا على الحفظ والضبط، بل دخل في المصنفات والكتب.
وذهب بعض الباحثين إلى أنَّ هذا المنهج تسارع ارتقاؤه، وتعاظم ازدهاره في فترة زمنية قصيرة، حصرها بين محمد بن سيرين المتوفى سنة (110هـ) ويحيى بن معين المتوفى سنة (233هـ) أي في خلال (120) سنة تقريبًا، زاعمًا أنَّ هذه الفترة تضاعفت فيها أعداد الأسانيد حتى وصلت إلى المليون.
ولما دخل عصر التدوين كان هذا العلم أول ما عني به الأئمة.
(1) انظر:"الخبر الثابت": 125، و"العلة وأجناسها": 8.
(2) انظر:"السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي": 83 - 84.
(3) انظر:"العلة وأجناسها": 26 - 27.