فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 831

ومن الناس من جعل من الثانية لابتداء الغاية، إلا أنّه جعل العامل فيها محذوفًا كأنه قال: رأيتُ الهلالَ من داري ظاهرًا من خلل السحاب. فجعل منْ لابتداء غاية الظهور لأنَّ ظهور الهلال بدا من خلل السحاب وكأنّه قال أيضًا: شممتُ الريحانَ من داري كائنًا من الطريق. فمن الثانية لابتداء غاية الكون. وهذا الذي ذهب إليه باطل عندي، لأنه قد تقدّم في باب المبتدأ والخبر أنَّ المحذوف الذي يقوم المجرور مقامه إنّما يكون مما يناسب معناه الحرف، ومن الابتدائية لا يُفهم منها الكون ولا الظهور فلا ينبغي أن يجوز حذفهما منه.

والذي زعم أنَّ من لتبيين الجنس استدلَّ على ذلك بقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الاْوْثَنِ} (الحج: 30) . ألا ترى أنَّ الأوثانَ كلّها رجس. وإنّما أتيت بمنْ ليبين ما بعدها الجنس الذي قبلها، فكأنّك قلت: اجتنبوا الرِجسَ الذي هو الأوثان، أي اجتنبوا الرجسَ الوثنيَّ.

واستدلَّ أيضًا بقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ} (النور: 55) . لأنَّ المعنى عنده: وعدَ اللَّهُ الذين آمنوا الذين هم أنتم. لأنَّ الخطاب إنّما هو للمؤمنين، فلذلك لم يتصور أن تكون من تبعيضيّة. وكقوله: {وَيُنَزّلُ مِنَ السَّمَآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} (النور: 43) . أي من جبالٍ هي بردٌ لأنَّ الجبالَ هي البَردُ لا بعضُها.

ولا حجة لهم في شيء من ذلك. أما قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الاْوْثَنِ} . فهو يتخرَّج على أن يكون المراد بالرجس عبادة الوثن، فكأنه قال: فاجتنبوا من الأوثانِ الرجسَ الذي هو العبادة، لأن المحرَّم من الأوثانِ إنّما هو عبادتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت