وتعدّ قصيدته هذه المحاولة الأولى في اتجاه النظم البديعيّ الذي أخذ يشيع بين الشعراء بدخولهم في ميدان البديع ينظمون فنونه في قصائد عرفت فيما بعد باسم «البديعيّات» .
ومن أدباء المغاربة في هذا العصر حازم القرطاجنيّ صاحب كتاب «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» وقد حاول تطعيم الذوق العربي بالفكر اليونانيّ.
ومع نهاية القرن السابع يطالعنا بدر الدين محمد بن جمال الدين بن مالك الطائيّ بكتابه «المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع» ، وهو تلخيص لكتاب «مفتاح العلوم» للسّكّاكيّ، وقد جرى فيه على رأيه في أن علمي المعاني والبيان يرجعان إلى البلاغة، وأن المحسّنات البديعية ترجع إلى الفصاحة، إلّا أنّه جعل «البديع» وإن كان تابعا لعلمي المعاني والبيان، علما مستقلّا بذاته سمّاه «علم البديع» ، وبذلك مهّد الطريق أمام البلاغة لتصبح متضمّنة علوما ثلاثة: المعاني والبيان والبديع. وقد ذكر من المحسّنات البديعية أربعة وخمسين نوعا متأثّرا في ذلك برجال البديع في عصره، إلّا أنّه كان أوّل من قسّم هذه المحسّنات البديعية إلى قسمين: قسم يرجع إلى الإفهام والتبيين، وقسم يعود إلى التزيين والتحسين.
ثم انتقل علم البديع بهذا التجدّد والتطوّر إلى أحمد بن عبد الوهاب النويريّ، في القرن الثامن الهجري، وذلك في جمعه لهذه الأنواع في كتابه «نهاية الأرب» وقد أعمل فيها تفريعا وتنويعا دون أيّ تجديد واختراع.
ثم جاء بعده الخطيب القزويني بكتابيه «التلخيص» و «الإيضاح» وهذّب ما جاء به السكاكيّ مستنيرا بآراء الجرجاني والزمخشريّ، وفصل «البديع» فصلا تاما عن البلاغة التي جعلها محصورة في «المعاني» و «البيان» ، جاعلا «البديع» ضربين:
أحدهما يرجع إلى المعنى، والآخر يرجع إلى اللفظ، وأدخل تحته كلّ الوجوه والمحسّنات التي ذكرها السكاكيّ، حتى أخذت علوم البلاغة على يديه وضعها الأخير، فتحدّدت موضوعاتها وانفصلت أقسامها «المعاني والبيان والبديع» ، وعلى ذلك سارت الدراسة البلاغية إلى اليوم.
وقد ذكر الخطيب من البديع المعنويّ ثلاثين نوعا، ومن اللفظيّ سبعة أنواع، وذكر أثناءها أمورا ملحقة بها تصلح أن تعدّ أنواعا أخرى. وقد تناول العلماء كتابيه
«التلخيص» و «الإيضاح» بالشرح والتفسير، إلّا أنّهم لم يخرجوا عمّا رسمه وإن أضاف بعضهم فنونا أخرى كالسبكيّ.