وفيها يقول الله جل شانه: (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا) . ومع هذا اليقين الجازم فإن جحافل من البشر مضت عليها عشرون قرنا وهى تصنع من هذه الإشاعة إيمانا يسانده السلاح ... لقد بعث الله محمدا صلى اله عليه وسلم، وليس للحق ظل يأوى إليه أحد في شئون العقيدة، وأحوال المجتمع، وطرائق الحكم. كانت الجاهلية القائمة على الخداع والفتنة والسطو، البعيدة عن اليقين والصواب والهدى، تسود المشارق والمغرب، وتجعل لمسير البشر الف وجهة ليس بينها وبين الحق شبه قريب أو بعيد، فكانت رسالة محمد صلى اله عليه وسلم أن يغرس الحق في النفوس والبيئات، وأن يقيم له شارات وركائز يعتز بها، ويأوى إليها ... ليت الحق يغني عنه جوهره السليم، ورونقه الباهر، فيمنحه ذلك القبول بين الناس، بل- يمنحه فحسب- ضمان الحياة العزيزة، التى لا استهانة فيها ولا غشم. إن الأمر على العكس، فثبوت الحق شراء كير معرفته، غير الاقتناع به، غير الثبات عليه، غير الدعوة إليه، غير الدفاع عنه .. !. لقد رأينا في تجاربنا مع الأيام أن الحق غريب مستوحش، فقد نحسب خدمة الحق لا تعدو تقريره، وكشف النقاب عنه. وهذا خطأ ضخم، فإن تثبيت الحق كإحياء جسم ما، أو إدارة آلة ما، لابد له من جهود دائبة مضطردة، وإلا أذابه الباطل، وجرفه في تياره .. ! في القضايا الصغيرة، قد يحلف الشخص زورا: أن ما قاله صحيح، ليغتصب مالا حراما، أو يستصدر حكما حائفا. وعلى ظهر الأرض كوف المحاكم لمتاعبة هذه المغالطات، ومحاولة حراسة الحق. وفي القضايا الكبيرة تقوم السياسة بين الدول على محور لا يمت إلى الحق بصلة. لقد استطاع اليهود أن يجيئوا بعشرات الدول معهم على أن العرب أصحاب فلسطين لا مكان لهم فيها! ص_140