19 -وروى عَنِ محمد بن مسلم بن شهاب لزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكٍ بن جعفر الْمُدْلِجِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، عن سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قال: لما خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مهاجرًا فجعلت قريش فيه مائة ناقة حمراء لمن رده عليهم فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي نادي قَوْمِي أَقْبَلَ رَجُلٌ من قومنا حتى وقف علينا، فقالَ: والله لقد رَأَيْتُ مركبًا ثلاثة مروا آنِفًا، إني لأراه مُحَمَّدًا، فأومأت إليه بعيني أن اسكت، ثم قلت له: إنما هم بنو فلان يتتبعون ضالة لهم، فقال: لعله سكت، فمكثت قليلًا فدخلت بيتي، وأَمَرْتُ بفرسي فقُيد إلى بطن الوادي، وأمرتُ بسلاحي فأُخرجت من وراء حجرتي، ثم انطلقت فبست لأمتي، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: لأنصره، قال: وكنت أرجو أن أرده فآخذ المائة ناقة، فركبت على أثره فبينا فرسي يشتد بي إذ عثر بي فسقطت عنه، فقلت: ما هذا، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت عنه فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، وذهبت يداه في الأرض، وتبعهما فاستُخرج، وتبعهما دُخَانٌ مِثْلُ الْغُبَارِ، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني وأن أمره ظاهر، فناديتهم فقلت: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، انظروني فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم (ق27أ) مني شيء تكرهونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل له ماذا تبتغي؟ قال: فقلت تكتب لي كتابا يكون آية لي بيني وبينك؟ فقال: اكتب له يا أبا بكر، فكتب لي كتابًا في عظم، ثم ألقاه إليّ. فأخذته فجعلته في كنانتي، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا فتح الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من أهل حنين؛ خرجت ومعي الكتاب لألقاه به فلقيته بالجعرانة فدخلت في كتيبة من كتائب الأنصار، فطفقوا يقرعوني بالرماح، ويقولون: إليك إليك، ما تريد حتى دنوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك لي أنا سراقة بن مالك بن جعشم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم وفاء وبر، ادنه، فدنوت منه فأسلمت ثم ذكرت شيئا أسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أكره إلا أني قلت: يا رسول الله، الضالة من الإبل تغشى حياضي وَلقَدْ [مَلَأْتُهَا لإِبِلِي] ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ إِنْ سَقَيْتُهَا؟ فقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّاءَ أَجْرٌ قَالَ سُرَاقَةُ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي فَسُقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَتِي.
قال محمد بن إسحاق، قال أبو جهل في أمر سراقة بن مالك يعني حِينَ (. . . .) (1) بما رأى من الآيات فقال:
بَنِي مُدْلِجٍ إِنِّي أَخَافُ سَفِيهَكُمْ ... سُرَاقَةَ يَسْتَغْوِي بِنَصْرِ مُحَمَّدِ
عَلَيْكُمْ بِهِ أَن لاَّ يُفَارق جَمْعَكُمْ ... فَيُصْبِحَ شَتَّى بَعْدَ عَزٍّ وَسُؤْدُدِ
يَظُنُّ سَفِيهُ الْقَومِ أَنْ جَاءَ بِشُبْهَةٍ ... عَلَى وَاضِحٍ مِنْ سُنَّةِ الْحَقِّ مُهْتَد
فَأَنَّى يَكُونُ الْحَقُّ مَا قَالَ إِنْ غَدَا ... وَلَمْ يَأْتِ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ الْمُسَدِّدِ
وَلَكِنَّهُ وَلَّى غَرِيبًا بِسُخْطِةٍ ... إِلَى يَثْرِبَ مُنَافِيًا بَعْدَ مَوْلِدِ
وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يَثْرِبَ هَارِبًا ... لأَشْجاهُ وَقْعُ الْمَشْرَفِيِّ الْمُهَنَّدِ.
قَالَ سُرَاقَةُ بن مالك بن جعشم يجيب أبا جهل بن هشام:
أَبَا حَكَمٍ وَاللهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا ... لأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسوخُ قَوَائِمُهْ
عَجِبْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ... أَتَى بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُكَاتِمُهْ
عَلَيْكَ فَكُفَّ الناسَ عَنْهُ فَإِنَّنِي ... أَرَى أَمْرَهُ يَوْمًا تشيد مَعَالِمُهْ
بِأَمْرٍ يَوَدُّ (. . . .) (2) بأنها ... لو أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرًّا تُسَالِمُهْ.