الصفحة 14 من 21

13 -أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحسن الرازي بمكة، قال: حدثنا أحمد بن يوسف العطار، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، قال: حدثنا رجاء بن عبد الله التميمي أبو صالح الصاغاني، قال: حدثنا عمرو بن (. . . . . . . . . .) (1) اليمامي، عن الأعمش، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن (. . . . . . . . . .) (2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجتمع مشركوا قريش في دار الندوة في (. . . . . . . . .) (3) وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، قال أبو جهل بن هشام: مَنْ يَقُومُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ. فَقَامَ ابْنُ الزِّبَعْرَى فَأَخَذَ فَرْثًا وَدَمًا فَلَطَّخَ بِهِ وَجْهَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ: يَا عَمِّ، من أنا؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ يا ابن أخي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْنُ الزِّبَعْرَى، فَقَامَ أَبُو طَالِبٍ وَوَضَعَ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَمَشَى مَعَهُ حَتَّى أَتَى الْقَوْمَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَ جَعَلَ الْقَوْمُ يَنْتقصونَ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ قَامَ منكم رَجُلٌ جَلَّلْتُهُ بِسَيْفِي فَقَعَدُوا حَتَّى دَنَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَنِ الْفَاعِلُ بِكَ هَذَا؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى، فَأَخَذَ أَبُو طَالِبٍ فَرْثًا وَدَمًا فَلَطَّخَ بِهِ وُجُوهَهُمْ وَلِحَاهُمْ وَثِيَابَهُمْ وَأَسَاءَ لَهُمُ الْقَوْلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَمِّ نَزَلَتْ فِيكَ آيَةٌ قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: (تَمْنَعُ قُرَيْشًا أَنْ تُؤْذِيَنِي وَتَأْبَى أَنْ تُؤْمِنَ بِي) فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:

وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا

فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وَأَبْشِرْ بِذَاكَ وَقَرَّ مِنْكَ عُيُونَا

وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي ... فَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا

وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتَ بِأَنَّهُ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا

لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ يَقِينَا

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تَنْفَعُ نُصْرَة أبي طَالِبٍ لك؟ قَالَ: نَعَمْ دُفِعَ عَنْهُ بِذَاكَ الْغُلُّ وَلَمْ يُقْرَنْ مَعَ الشَّيَاطِينِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي جُبِّ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ إِنَّمَا عَذَابُهُ فِي نَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ فِي رِجْلَيْهِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ فِي رَأْسِهِ وَذَلِكَ أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا.

قال محمد بن إسحاق: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب، وأخفوا صلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين، وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم واقتتلوا فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين بلحي بعير فشجه فكان أول دم أهريق في الاسلام فلما رأت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب (ق22أ) آلهتهم ورأوا عمه أبو طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش الى أبي طالب فيهم عتبة ابن ربيعة، وشيبة، وأبو سفيان، وأبو البختري، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، أو من مشى فيهم فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فنكفيكه وإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال أبو طالب قولا رقيقا ورد ردا جميلا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعوا إليه ثم إن قريشًا تآمروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب، وقد قال أبو طالب حين رأى قريشا تصنع في بني هاشم، وبني المطلب؛ فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه، وقاموا معه فأجابوه إلى ما دعاهم اليه من الدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من أبي لهب وهو يحرض بني هاشم فقال أبو طالب:

منعنا الرسول رسول المليك ... ببيض تلألأ كلمع البريق

بضرب يذيب دون النهار ... جذار التوا مَن بالجنعقيق

أذب وأحمي رسول المليك ... حماية حام عليه شفيق

وما أن أذب لأعدائه ... ذبيب البكار حذار العنيق

ولكن أزير لهم سائما ... كما زأر ليث بغيل مضيق

فلما رأى أبو طالب ما سره من قومه من حدهم معه وحد بهم عليه جعل يمدحهم ويذكر مدحتهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانه منهم ليشتد لهم رأيهم فيه، وليحزموا معه على أمرهم قال: فقال أبو طالب:

اذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فبعد مناف سرها وصميمها

وإن حملت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فإن محمدًا ... هو المصطفى من سرها وكريمها

تداعت قريش غثها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت عقولها

وكنا قديما لا نقر ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها (ق22ب)

ونحمي حماها كل يوم كريهة ... ونضرب عن فخارها من يرومها.

قال محمد بن إسحاق، فحدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع اليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال يا معشر قريش، إنه قد حضر الموسم، وأن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدًا، فاجتمعوا أن أقرب القول أن يقولوا: ساحر، فأنزل الله في النفر الذين كانوا معه يصنفون له القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به من عند الله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} أي أصنافا {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس وصدرت العرب من ذلك الموسم [بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم] وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها، ثم إن قريشا حين عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك، وعدواتهم مشوا إليه، ومعهم عمارة ابن الوليد بن المغيرة، وقالوا: يا أبا طالب قد جئناك بفتى قريش عمارة بن الوليد جمالًا وشبابًا، فهو لك بصره وعقله، فاتخذه ولدا لا تنازع فيه وخل بيننا وبين ابن أخيك هذا الذي فارق دينك، ودين آبائك، وفرق جماعة قومه وسفه أحلامهم لنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة، وأفضل في عواقب الأمور مغبة، فقال لهم أبو طالب: والله ما أنصفتموني، تعطوني ابنكم أغذيه لكم وأربيه، وأعطيكم ابن أخي تقتلونه! هذا والله لا يكون أبدا، أفلا تعلمون أن الناقة اذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيرها، ثم إن قريشًا مشوا إلى أبي طالب تارة أخرى فكلموه، وقالوا: ما نحن يا أبا طالب وإن كنت فينا ذا منزلة بسنك وشرفك وموضعك بتاركي ابن أخيك على هذا حتى نهلكه، أو يكف عنا ما قد أظهر فينا من شتم آلهتنا، وسب آبائنا، وعيب ديننا فإن شئت فدع فقد أعذرنا إليك وطلبنا التخلص من حربك وعداوتك فكل ما نظن أن ذلك مخلصنا، فانظر في أمرك ثم امض علينا فصال.

قال محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن قريشا حين قالت هذه المقالة لأبي طالب، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخي إن القوم جَاءُونِي فقالوا: كذا وكذا للذي قالوا له وآذنوني قبل الحرب، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، واكفف عن قومك ما يكرهون من قولك هذا الذي فرق بيننا وبينهم، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه، وإنه خاذله أومسلمه، وضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في يساري (ق23أ) ما تركت الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في ذلك، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يابن أخي فأقبل عليه، فقال امض على أمرك، وافعل ما أحببت فوالله لا نسلمك بشيء أبدا.

قال: فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم أنفوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أنه لا سبيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم معهم اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوا منهم، ولا يخطبوا إليهم ولا يبايعونهم ولا يبتاعون منهم فكتبوا صحيفة في ذلك وكتب الصحيفة عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وعلقوها بالكعبة ثم غدوا على من أسلم فأوقعوهم، وآذوهم واشتد البلاء عليهم وعظمت الفتنة فيهم وزلزلوا زلزالا شديدا فخرج أبو لهب عدو الله يظاهر عليهم قريشًا، وقال: نصرت اللات والعزى، يا معشر قريش، فأنزل الله عز وجل: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} إلى آخر السورة فقالت صفية بنت عبد المطلب:

ألا من مبلغ عني قريشا ... ففيم الأمر فينا والأمار

لنا الأمر المقدم قد علمتم ... ولم توقد لنا بالغدر نار

مجازيل العطا إذا وهبنا ... وأيسار إذا ابتغى اليسار

وكل مناقب الخيرات فينا ... وبعض الأمر منقصة وعار

فلاموا لعاديات غداة جمع ... بأيديها إذا سطع الغبار

لنصطبرن لأمر الله حتى ... يبين ربنا أين القرار.

عمد أبو طالب فأدخل الشعب ابن أخيه، وبني أبيه، ومن اتبعهم من بين مؤمن دخل لنصرة الله ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن بين مشرك يحمى، فدخلوا شعبهم وهو شعب أبي طالب [في ناحية من مكة] فلما قدم عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة إلى قريش فأخبرهم بالذي قال النجاشي لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أشتد وجدهم وأذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أذًى شديدًا، وضربوهم في كل طريق، وحصروهم في شعبهم، وقطعوا عنهم المادة من الأسواق فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاما ولا شيئا مما يرفق بهم، فكانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم، وكانت قريش تبادرهم الى الأسواق فيشترونها ويغلونها عليهم. ففعلوا ذلك ثلاث سنين حتى بلغ القوم الجهد الشديد وحتى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء (ق23ب) الشعب وكان المشركون يكرهون ما فيه بنو هاشم من البلاء حتى كره عامة قريش ما أصاب بني هاشم.

حاشية

(1) (2) (3) غير واضح بالأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت