اشتروا الضلالة بالهدى فإن هؤلاء {= اشْتَرَوُا الْحَيََاةَ الدُّنْيََا بِالْآخِرَةِ فَلََا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذََابُ وَلََا هُمْ يُنْصَرُونَ =} [1] .
إنّ النصّ حين واجه اليهود الجدد في عهد رسول الله بكل هذا الإرث الضخم من الفتنة والإفساد والتلكّؤ في الاستجابة، كان يضعهم في دائرة الأعراف والأخلاق التي يصدرون منها وعنها، وكان ينبئهم بأن سلوكهم اليوم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ليس غريبا طارئا وإنما هو مجبول في بنائهم النفس والسلوكي، إنّ الدارسين المحدثين في لسانيات الخطاب يشيرون إلى ما يعرف بإثنوجرافيا الكلام، وهو اعتماد تحليل الموقف الكلامي على معرفة العرق والجنس والتاريخ المتّصل بالشخوص المشاركين في عملية الاتصال، وبذا تواجه الجماعة المسلمة عدوّها على بصيرة مهتدية بكلّ التفاصيل التي وفّرها النص.
إنّ سورة البقرة جاءت لتركّز على إعداد الجماعة المسلمة لحمل الأمانة الكبرى أمانة العقيدة وأمانة الخلافة في الأرض، ولذلك فإنّ عمليّة التركيز هذه كانت ذات مسارين: المسار الأوّل يتعهّد الجماعة المسلمة بالدروس مباشرة في أخلاقها وأفعالها وأفكارها، والمسار الثاني يبصّرها بأعدائها المناهضين لها وفي مقدمتهم بنو إسرائيل ومواجهة دسائسهم وكيدهم وحربهم للعقيدة في أصولها، وللجماعة المسلمة في وجودها. كما تركز على التوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة لمواجهة الحرب المتعدّدة الأساليب التي يشنها عليها خصومها، وللحذر كذلك من مزالق الطريق التي وقع فيها بنو إسرائيل قبلها، والنصّ من خلال هذين المسارين تتبدى فيه العلائق الخارجية مع السياق، أي مراعاة النّص لمقتضى الأحوال التي نزل بها وهي وجود الجماعة المسلمة في أول عهدها بالمدينة ومراعاة النّص لمجاله التداولي وزمانه، وعلاقات النّص بالشرائع والعادات والأعراف السابقة وهذه العلائق ظهرت ظهورا واضحا من خلال هذا التقسيم الدقيق
(1) سورة البقرة، الآية (71) .