وقد تأتي الفاصلة لتأكيد مضمون الآية أو تثبيتها أو مطابقتها، كما في سؤال الرازي عن تعلّق قوله: {= إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ =} بقوله: = إنّا معكم = والجواب = هو توكيد له.
لأنّ قوله: = إنّا معكم = معناه الثبات على الكفر وقوله: = إنّما نحن مستهزءون = ردّ للإسلام، وردّ نقيض الشيء، تأكيد لثباته، أو بدل منه، لأنّ من حقّر الإسلام فقد عظّم الكفر. [1]
وفي موضع آخر: = هل قيل = إنّ الله مستهزئ بهم = ليكون مطابقا لقوله: = إنّما نحن مستهزءون =؟ الجواب = لأنّ (يستهزئ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتا بعد وقت وهذه كانت نكايات الله فيهم = أولا يرون أنّهم يفتنون في كلّ = [2] .
ومن المناسبة بين المضمون الآية والفاصلة كذلك ما يشبه أن يكون السبب أو النتيجة، ومن أمثلته الآية الكريمة {= وَمََا كََانَ اللََّهُ لِيُضِيعَ إِيمََانَكُمْ إِنَّ اللََّهَ بِالنََّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ} = [3] . قال الرازي: = ذكروا في وجه تعلّق هذين الاسمين بما قبلهما وجهين أحدهما: أنّه تعالى لمّا أخبر أنّه لا يضيع إيمانهم قال: {= إِنَّ اللََّهَ بِالنََّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ =} والرءوف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة، وثانيهما: إنّه لرءوف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم = [4] .
والفاصلة دورها أساسي في إحداث الاتساق، فهي من جهة مرتبطة مضمونيّا ومنطقيّا بالآية الكريمة، وهي من جهة أخرى آخر جزء يلقاه القارئ من الآية ولذا فدورها أساسي في تأكيد مضمون الآية، أو مطابقتها أو اختزالها ولذلك فهي عنصر هام في صنع الاتساق الداخلي للخطاب. يقول الرازي في إحدى الفواصل التي تنتهي بقوله (عليم) : = وأمّا قوله = عليم = فالمعنى أنّه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه، لأنه تعالى عالم بقدره، وعالم بما يزيد عليه من التفضل، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى
(1) بصائر ذوي التمييز، 1/ 151.
(2) تفسير الرازي، 3/ 69.
(3) سورة البقرة، الآية (143) .
(4) تفسير الرازي، 3/ 71.