النفي: يعنون وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه» [1] فاللطف الإلهي باعتباره هدى وتوفيقا [2] هو السبب الذي يمكن العبد من أن يخلف اهتداءه [3] ولا يسقط اللطف الإلهي عن العبد مسئوليته في أداء الفعل، ولا يخرجه عن أن يكون مقدورا له يدل عليه أنه واقع منه في معنى أنه محدثه وقادر عليه، والإحداث والتقدير بهذا المعنى الاعتزالي خارجان كذلك عن اللطف الإلهي [4] .
وقد رأينا من قبل بأنهم نفوا وجود الصفات القديمة لاعتقادهم أن إثبات صفات قديمة لله تعالى معناه إثبات لوجود قدماء مع الله، وهذا عندهم مناف للتوحيد الذي هو أحد أهم أصولهم الخمسة، ومؤدّ إلى القول بتعدد القدماء وإلى التشبيه والتجسيم. وهكذا كان طرحهم هذا مبررا لأن يلحّوا على نفي وجود صفات قديمة. ولكن لم ركّز المعتزلة تركيزا على قضية الكلام الإلهي وخلق القرآن رغم أن مسألة الكلام الإلهي رأيناها عندهم مدرجة ضمن الصفات التي نفوا قدمها؟
لقد اتفقوا على أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وأنه محدث مخلوق وهو مخلوق عندهم لخوفهم من أن القول بقدم كلام الله. والقرآن كلام الله فهو قديم.
إذن خافوا أن يؤدي هذا إلى ما يشبه مزعم النصارى، لأنه ليس أشنع من القول بأن لله شركاء كما جاء في قوله عز وجل: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ} [النساء: 48] والشرك بالله إثم عظيم. وفي العقيدة الإسلامية كما ينص القرآن الكريم عليها في الآيات: {قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ (1) اللََّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 41] إنكار ساطع لمفهوم الله التثليثي عند النصارى: الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس [5] فالله واحد عندهم ولكنه مؤلف في وحدته من ثلاثة الأقانيم السابقة. ومن ثم رأوا
(1) الكشاف، ج 2، ص 79.
(2) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 324326.
(3) انظر ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص 79.
(4) انظر د. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص 133134.
(5) انظر الباقلاني، كتاب التمهيد، ص 79وما بعدها. وابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 1، ص، 112ومحمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج 10، ص، 197وانظر روم لاندو، الإسلام والعرب، نقله عن الإنكليزية منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت ط 1، 1962، ص 5043، 51د. محمود كامل أحمد، مفهوم العدل في تفسير المعتزلة للقرآن الكريم، ص 249.