العقل يدرك المعنى الذي حسن الشرع لأجله الستر وقبح الكشف، فإنهم ما أرادوا به ظاهره [1] .
وجعلوا المعاصي والذنوب محمولة على المكلفين واستعظموا نسبة القبائح إلى الله ففي الآية: {وَلَوْلََا أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ الْحَيََاةِ وَضِعْفَ الْمَمََاتِ ثُمَّ لََا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنََا نَصِيرًا} [الإسراء: 74، 75] ذهب الزمخشري إلى أن «في ذكر الكيدودة وتقليلها مع اتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدّارين دليل بيّن على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، ومن ثم استعظم مشايخ العدل والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا» [2] .
ويبيّن صاحب الكشاف أن المراد من قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}
[السجدة: 7] هو نفي ما يقبح في العقل من فعله دون ما يستقبح في الصورة:
[أحسن كلّ شيء] : «حسنه لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة، وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] «وقيل علم كيف يخلقه» [3] .
وهو يرى أنّ اجتناب الكبائر يكفّر عن الصغائر [4] لذا عمل على دسّ هذه الخلفية حين فسّر قوله عز وجل: {قََالََا رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَتَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخََاسِرِينَ} [الأعراف: 23] قائلا: «وسميا ذنبهما وإن كان صغيرا مغفورا» [5] ، وذلك لقوله: «وإن كان صغيرا مغفورا» على سبيل التضمين والإخفاء
(1) ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص، 72وكذا أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ج 5، ص 25.
(2) الكشاف: ج 2، ص 461.
(3) الكشاف، ج 3، ص 241.
(4) اختلاف المعتزلة في غفران الصغائر: قال بعضهم بغفرانها عند اجتناب الكبائر تفضلا، وقال آخرون:
يغفرها الله عند اجتنابها باستحقاق. وذهب غير هؤلاء إلى أن الصغائر لا تغفر إلا بالتوبة. انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1، ص 332333.
(5) الكشاف، ج 2، ص 73.