المستحيل. ويبدو أن توغل المعتزلة في الجدل الكلامي حول مسألة المعدوم هو الذي أدى إلى قولهم بأن المعدوم شيء لأنه موضوع للفكر، فمثله مثل الموجود لا بدّ أن يكون له نوع من الوجود، وأقل ما فيه من الثبوت أن التفكير يتعلق به وعلى هذا وقع التساؤل: لم لا يفكر الإنسان في المعدوم بدلا من أن لا يفكر أصلا؟ [1]
وقولهم بشيئية المعدوم متأتّ من إقرارهم الماهيات [2] قبل دخولها إلى الوجود وبذلك يمكن تصور الماهيات دون أن يكون لها وجود في الخارج لأنهم يعتقدون أن الوجود زائد عليها وهي معروضة له وقد تخلو عنه، وبمعنى آخر: إنّ من أثبت المعدوم شيئا لا بد أن يقرّ زيادة الوجود عليها كالقائل باتحادهما لا يقر بماهيات سابقة على الوجود المتحقق [3] .
والمعدوم عند الأشاعرة منتف، ليس بشيء. قسّمه الباقلاني (ت 403هـ) إلى [4] :
معلوم معدوم لم يوجد ولن يوجد وهو المحال الممتنع الذي ليس بشيء، وهو الذي يحمل القول المتناقض كاجتماع الضدين ووجود الجسم في مكانيين.
ومعدوم لم يوجد قط، ولن يوجد لأن الله عز وجل قدّر ألّا يوجد وأخبر بذلك، وهو مما يصح، ويمكن أن يوجد كرد أهل المعاد إلى الدنيا، وخلق مثل العالم، وأمثاله مما علم وأخبر أنه لا يفعله، وإن كان مما يصح أن يفعله الله تعالى.
ومعلوم معدوم في الآن أو في وقتنا هذا، ولكنه سيوجد فيما بعد كالحشر والنشر والجزاء والثواب والعقاب وقيام الساعة.
ومعلوم آخر هو معدوم في هذا الوقت بيد أنه كان موجودا من قبل نحو الذي مضى من أحوالنا وتصرفنا.
(1) انظر دي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 100.
(2) تطلق الماهية على الأمر المتعلق كالمتعلق من الإنسان وهو الحيوان الناطق مع قطع النظر عن الوجود، والأمر المتعلق من حيث أنه معقول في جوابه هو سمي ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج سمي حقيقة.
ومن حيث امتيازه عن غيره هوية، ومن حيث جمل اللّوازم له ذاتا». الجرجاني، التعريفات، ص 209.
(3) انظر الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 53.
(4) كتاب التمهيد، ص 15، 16.