فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 451

د لا يوجد ما يثبت أنهم دعوا الخلق إلى البحث والتعمق والتفسير والتأويل في المتشابه، وإنما الثابت أنهم زجروا من خاض فيه وسأل عنه وتكلم به [1] . لقد كان مذهب السلف إذن يكتفي بما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من أدلة على وجود الله جل وعز، وصفاته، دون زيادة أو نقصان. وعدوّه كافيا أيضا في تثبيت الإيمان وإقناع الكفرة ورد اليهود والنصارى إلى الصواب.

لقد رأوا أن قواعد الإيمان وأصوله قد بينها القرآن، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلََامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، فهم أسلموا أنفسهم لله، وآمنوا بالقدر، واتخذوا الأسباب بما توفر لهم من قدرات وطاقات، واحترزوا من الضلال والزيغ، ولم يتبعوا المتشابه، ولم يكن لديهم انجذاب وراء الجدل المردي [2] .

وجاءت مرحلة أخرى، بلغت فيها البيئة العربية الإسلامية مستوى النضج الثقافي والفكري، ولفتها الخلافات السياسية والمذهبية وبخاصة في القرنين الثاني والثالث الهجريين وما بعدهما، فأخذ التفسير منحى آخر، ولم يجد المفسرون غير أن يجتهدوا ويتجاوزوا الاعتماد على النقل إلى مرحلة الاجتهاد وتوظيف العقل أو الاستناد إلى اعتقادهم واعتماد القياس، ففسروا بالرأي على هذا الأساس، لأنه تبين لهم أن التحفّظ [3] في التفسير بالرأي إنما هو امتناع عن التفكير، وعن النظر وعن استنباط الأحكام التي تتضمنها آيات غير قليلة من آي الذكر الحكيم، وعليه

(1) انظر د. عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، ط 2 (د. ت) ص 103وما بعدها.

(2) م ن، ص 105، 106راجع جولد. زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة دكتور عبد الحليم النجار، دار اقرأ، ط 5، بيروت، 1413هـ 1992م، ص 73وما بعدها يبسط فيه المؤلف الارتياب من الاشتغال بالتفسير والتفسير المشهود بصوابه، وص 82، 109وما بعدها.

(3) ذكرت آثار عن السلف من الصحابة والتابعين تدلّ على تحرّجهم من القول بالرأي نذكر منها: عن أبي مليكة أنه قال: = سئل أبو بكر الصديق (ر. ض) في تفسير حرف من القرآن، فقال: أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى =. انظر د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج 1، ص، 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت