الحقيقة، ومثله قوله عز وجل السابق، هذا أولا. أما ثانيا فقراءة الجمهور رفع لفظ، الجلالة (الله) على أن الله تعالى هو الذي كلم موسى على غير قراءة النخعي وابن وثاب، وتكليما: مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز كما قال الفراء:
إن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حقق وأكّد بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام [1] . وبالتالي يدل على بطلان قول القائلين من المعتزلة: خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى عليه الصلاة والسلام فكلام الله تعالى حسبهم منزّل على رسول الله ليس بمخلوق أو محدث [2] .
والمعتزلة لم ينفوا الصفات القديمة إذا كان القصد بها عين الذات، وإنما أنكروا أن تكون الصفات أشياء أو ذوات قديمة قائمة وراء الذات لما فيه من تعدد القدماء مستدلّين بأن الصفات لو كانت زائدة على الذات فإمّا أن تكون محدثة فيلزم قيام الحوادث بذاته عز وجل. وإما أن تكون قديمة فيلزم أن تشارك الذات في القدم والوجوب بالذات. وهذا يؤدي إلى تعدد القدماء. وقد كفر النصارى لقولهم بقدماء ثلاثة [3] فكيف بمن أثبت أكثر من ذلك؟ ثم قالوا: إن من أثبت الكلام قائما بذات الله عز وجل إما أن يثبته حالا في الله تعالى، والله سبحانه يستحيل
(1) انظر ابن الجوزي (ت 597هـ) ، زاد المسير في علم التفسير، ج 2، ص، 256تفسير البغوي (ت 616هـ) ، معالم التنزيل، ج 1، ص 500، والعكبري (ت 616هـ) ، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، إحياء الكتب العربية (د. ت) ، ج 1، ص، 203وكذا المقدسي (ت 620هـ) ، حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة، ج 1، ص، 40وتفسير القرطبي (ت 671هـ) : الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني، ط 2، ج 1، ص، 250وكذا تفسير أبي السعود (ت 951هـ) . إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، ج 2، ص، 256والشوكاني (ت 1250هـ) ، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج 1، ص 538.
(2) انظر تفسير القرطبي، ج 6، ص، 18وكذا ابن قايماز الذهبي (ت 748هـ) معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، تحقيق عواد معروف وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404هـ، ط 1، ج 1، ص 49.
(3) قال النصارى: الله ثالث ثلاثة كان عليه جمهورهم قبل انقسامهم إلى اليعقوبية والملكانية والنسطورية.
وهم قالوا الإله القديم جوهر واحد يعمّ ثلاثة أقانيم أبا والدا غير مولود وابنا مولود غير والد وزوجا متتبعة بينهما. وقد كذبهم الله تعالى بقوله: {وَمََا مِنْ إِلََهٍ إِلََّا إِلََهٌ وََاحِدٌ} [المائدة: 73] . وقوله: {إِنَّمَا اللََّهُ إِلََهٌ وََاحِدٌ سُبْحََانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171] . وغيرهما من الآيات. انظر تفسير الطبري، ج 6، ص، 313قال القرطبي: هم مجمعون على التثليث، وبأن الله جوهر واحد له ثلاثة أقانيم، وجعلوا كل أقنوم إليها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وقد يعبرون عنها بالأب والابن وروح القدس