فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 451

للزجاج تفسيره: أي ابتدعوها رهبانية كما تقول: رأيت زيدا، وعمرا كلمت.

وقيل: إنه معطوف على الرأفة والرحمة. والمعني على هذا: أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها، وفيها قراءتان: فتح الراء وهي الخوف من الرهب.

والثانية: ضم الراء منسوبة إلى الرهبان الذين حمّلوا أنفسهم المشقات ممتنعين عن المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع [1] . ورأى بعضهم أن عطف (رهبانية) على ما قبلها وبأن (ابتدعوها) نعت لها بمعنى: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتعدة من عندهم، أي: ووفّقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها [2] .

ولا يقتصر المصنف على اعتماد الإعراب في إقرار الاعتزال، وإنما سعى إلى الاستعانة بالأساليب في تعزيز مراده المذهبي من ذلك ما ذهب إليه في توجيهه لأسلوب النفي عند الآية: {لََا أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ (2) وَلََا أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ (3) وَلََا أَنََا عََابِدٌ مََا عَبَدْتُّمْ} [الكافرون: 42] . قال: {وَلََا أَنََا عََابِدٌ مََا عَبَدْتُّمْ} : أي وما كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه: يعني: لم تعهد منّي عبادة صنم في الجاهلية فكيف ترجى مني في الإسلام؟ [3] ، فقد حافظ على عدم اتّباع النبيّ لنبيّ سابق ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد تعبّد الله في غار حراء قبل البعث والوحي وعليه ألا يكون الزمخشري قد أخلّ باعتقاد المعتزلة الذي يذهبون فيه إلى أنّ الناس كلهم متعبدون بمقتضى العقل بموجب النظر في آيات الله وأدلة توحيده ومعرفته؟

وهل يمكن القول أن ذلك يحملهم إلى الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ [4] .

(1) تفسير القرطبي، ج 17، ص 263.

(2) انظر تفسير أبي السعود، ج 8، ص 213.

(3) الكشاف، ج 4، ص 293292.

(4) انظر ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 4، ص 293292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت