إن المعتزلة حكموا بعدم العفو عن صاحب الكبيرة لأن في العفو عنه إغراء له على فعل الفساد [1] . وإذا كان خصومهم يتمسكون بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كإحدى جهات العفو عن صاحب الكبيرة إلى جانب قولهم بأن الله يعفو عن الكبائر [2]
فإن المعتزلة ذهبت إلى أن العفو عن الصغائر قبل التوبة أما العفو عن الكبائر فبعدها، ولا نريد تفصيل اختلافهم في هذه المسألة. وهم إن كانوا يقرون بشفاعة الرسول في الآخرة إلا أنهم ينكرون أن تشمل الشفاعة أصحاب الكبائر، ورأوا الشفاعة للمؤمنين ليزدادوا في منازلهم ودرجاتهم في الجنة، ورغم هذا فقد أبطلها بعضهم وخص بها البعض الآخر المؤمنين تفضلا [3] ، وأن ما روي من أحاديث مثل: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» [4] إنما هي لزيادة الثواب لا لدرء العقاب لقوله عز وجل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لََا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلََا يُقْبَلُ مِنْهََا عَدْلٌ وَلََا تَنْفَعُهََا شَفََاعَةٌ} [البقرة: 128] ، وهو عام في شفاعة النبي وغيره.
وشككوا في صحة الأخبار بالأحاديث التي لا توافق أصولهم الفكرية أو عدوه عند صحته بأنه منقول بطريق الآحاد الذي لا يوجب القطع عندهم، فيخالف طريقتهم التي هي العلم فلا يحتجون به في أصول الدين [5] ، وذلك فيما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فخرج من النار قوم بعدها امتحشوا وصاروا فحما وحمما» [6]
وأوردوا مقابل هذا النوع من الأحاديث أخبارا تروى للرسول صلى الله عليه وسلم أقوالا توافق أصلهم الفكري في الكبيرة وتدفع رأي خصومهم من أهل السنة، من جملتها: «لا
(1) نظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 325273.
(2) انظر الحارث بن الأسد بن عبد الله المحاسبي (ت 243هـ) ، فهم القرآن ومعانيه، ص 255254 والباقلاني، كتاب التمهيد، الباب الأربعون ص، 365وكذا السيوطي (ت 911هـ) ، الدر المنثور، دار الفكر، بيروت 1993، ج 2، ص، 557ومحمد علي الشوكاني، فتح القدير، ج 1، ص، 475وانظر تفسير القرطبي، ج 1، ص 379250، وكذا ج 3، ص 274273. وتفسير ابن كثير (ت 774هـ) ، ج 1، ص 506.
(3) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 2، ص 166، وكذا الإيجي، المواقف في علم الكلام، مكتبة المتنبي، القاهرة، ص 380، وجولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 183.
(4) مسند الإمام أحمد رقم 12863، وسنن أبي داود رقم 4612.
(5) انظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 202.
(6) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 316.