مرتكبها فاسقا، له منزلة بين الكفر والإيمان، ولم يقبلوا رأي الخوارج الحاكم بالكفر لمرتكب الكبيرة سوى «النجدات» [1] ولا برأي المرجئة الذي حكم بالإيمان ولا بحكم أهل السنة الذين ربطوه بالإيمان الذي اعتقدوه قولا واعتقادا وعملا بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فمن أتى كبيرة عند السنيين سموه مؤمنا فاسقا بكبيرته وفي الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء سبحانه غفر له وأدخله الجنة لأول مرة، وإن شاء عذبه بحسب ذنوبه ومآله بعدها الجنة [2] وهو كما ترى مخالف لرأي المعتزلة الذين رأوا الإيمان قولا وعملا واعتقادا، ولكن لا يزيد ولا ينقص، ويسمى مرتكب الكبيرة كما بيّنا من قبل فاسقا مخلدا في النار، ولا ينال الشفاعة ولا غيرها. بيد أن هذا مشروط عندهم بعدم التوبة.
ولم يجد المعتزلة في سياق هذا الخلاف إلا أن يقرّوا ما ذهبوا إليه، عند أهم مفسريهم الزمخشري الذي أول قوله عز وجل: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ} {لِمَنْ يَشََاءُ} [النساء: 48] قائلا: «قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة فما وجه قوله تعالى السابق؟ قال: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله تعالى: {لِمَنْ يَشََاءُ} كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب» [3] فقد علق الزمخشري في هذا التأويل بين الجار والمجرور في قوله تعالى: {لِمَنْ يَشََاءُ} ، وبين الفعلين السابقين المنفي والمثبت لينزّل الآية على معتقدهم فمن أشرك ولم يتب لم يغفر له الله تعالى أما ما دون ذلك من الكبائر فمن اقترفها وتاب فإن الله يغفر له.
لهذا جاء قوله: «إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون ذلك» أي
(1) أصحاب نجدة بن عامر الحروري نسبة إلى حاروراء. انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 174. وكذا ج 2، ص 167، 168والبغدادي، الفرق بين الفرق، ص 8773وما بعدها.
(2) انظر المسعودي، مروج الذهب، ج 3، ص 277، والقاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 1، ص 8180. وكذا ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 3، ص 273، ومحمد صديق حسن خان، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، ص 62، هامش رقم، 100وكذا
زهدي جار الله، المعتزلة، ص 10، ود. سعيد مراد، مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 135وما بعدها.
(3) الكشاف، ج 1، ص 532.