فهرس الكتاب

الصفحة 675 من 708

فَوَجَبَ ضَرُورَة أَنه لَيْسَ خَارج الْفلك الَّذِي هُوَ نِهَايَة الْعَالم شَيْء لَا خلاء وَلَا ملاء وَإِن كَانَت فِي الْفلك فَهِيَ ضَرُورَة أما ذَات مَكَان وَأما مَحْمُولَة فِي ذِي مَكَان لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء غير هذَيْن أصلا وَمن ادّعى أَن فِي الْعَالم شَيْئا ثَالِثا فقد ادّعى الْمحَال وَالْبَاطِل وَمَا لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يعجز عَنهُ أحد وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل يَقِين وَقد قَامَ الدَّلِيل على أَن النَّفس لَيست عرضا لِأَنَّهَا عَالِمَة حساسة وَالْعرض لَيْسَ عَالما وَلَا حساسًا وَصَحَّ أَنَّهَا حاملة لصفاتها لَا مَحْمُولَة فَإذْ حاملة متمكنة فَهِيَ هِيَ جسم لَا شكّ فِيهِ إِذْ لَيْسَ إِلَّا جسم حَامِل أَو عرض مَحْمُول وَقد بَطل أَن تكون عرضا مَحْمُولا فَهِيَ جسم حَامِل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَلَا تَخْلُو النَّفس من أَن تكون وَاقعَة تَحت جنس أَولا فَإِن كَانَت لَا وَاقعَة تَحت جنس فَهِيَ خَارِجَة عَن المقولات وَلَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء خَارج عَنْهَا وَلَا فِي الْوُجُود شَيْء خَارج عَنْهَا إِلَّا خَالِقهَا وَحده لَا شريك لَهُ وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا بل يوقعونها تَحت جنس الْجَوْهَر فَإذْ هِيَ وَاقعَة تَحت جنس الْجَوْهَر فَإنَّا نسألهم عَن الْجَوْهَر الْجَامِع للنَّفس وَغَيرهَا لَهُ طبيعة أم لَا فَإِن قَالُوا لَا وَجب أَن كل مَا تَحت الْجَوْهَر لَا طبيعة لَهُ وَهَذَا بَاطِل وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فَإِن قَالُوا لَا نَدْرِي مَا الطبيعة قُلْنَا لَهُم إِلَه صفة مَحْمُولَة فِيهِ لَا يُوجد دونهَا أم لَا فَلَا بُد من نعم وَهَذَا هُوَ معنى الطبيعة وَإِن قَالُوا بل لَهُ طبيعة وَجب ضَرُورَة أَن يعْطى كل مَا تَحْتَهُ طبيعة لِأَن الْأَعْلَى يُعْطي لكل مَا تَحْتَهُ اسْمه وحدوده عَطاء صَحِيحا وَالنَّفس تَحت الْجَوْهَر فَالنَّفْس ذَات طبيعة بِلَا شكّ وَإِذ صَحَّ أَن لَهَا طبيعة فَكل مَا لَهُ طبيعة فقد حصرته الطبيعة وَمَا حصرته الطبيعة فَهُوَ ذُو نِهَايَة مَحْدُود وكل ذِي نِهَايَة فَهُوَ إِمَّا حَامِل وَإِمَّا مَحْمُول وَالنَّفس بِلَا شكّ حاملة لأعراضها من الأضداد كَالْعلمِ وَالْجهل والذكاء والبلادة والنجدة والجبن وَالْعدْل والجور وَالْقَسْوَة وَالرَّحْمَة وَغير ذَلِك وكل حَامِل فذو مَكَان وكل ذِي مَكَان فَهُوَ جسم فَالنَّفْس جسم ضَرُورَة وَأَيْضًا فَكل مَا كَانَ وَاقعا تَحت جنس فَهُوَ نوع من أَنْوَاع ذَلِك الْجِنْس وكل نوع فَهُوَ مركب من جنسه إِلَّا على الْعَام لَهُ من أَنْوَاعه ومركب أَيْضا مَعَ ذَلِك من فَصله الْخَاص بِهِ الْمُمَيز لَهُ من سَائِر الْأَنْوَاع الْوَاقِعَة مَعَه تَحت جنس وَاحِد فَإِنَّهُ مَوْضُوع وَهُوَ جنسه الْقَابِل لصورته وَصُورَة غَيره وَله مَحْمُول وَهُوَ صورته الَّتِي خصته دون غَيره فَهُوَ ذُو مَوْضُوع ومحمول فَهُوَ مركب وَالنَّفس نوع للجوهر فَهِيَ مركبة من مَوْضُوع ومحمول وَهِي قَائِمَة بِنَفسِهَا فَهِيَ جسم وَلَا بُد

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه براهين ضَرُورِيَّة حسية عقلية لَا محيد عَنْهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا قَول جمَاعَة من الْأَوَائِل وَلم يقل ارسطاطاليس أَن النَّفس لَيست جسمًا على مَا ظَنّه أهل الْجَهْل وَإِنَّمَا نفى أَن تكون جسمًا كدرًا وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِيق بِكُل ذِي علم سواهُ ثمَّ لَو صَحَّ أَنه قَالَهَا لكَانَتْ وهلة وَدَعوى لَا برهَان عَلَيْهَا وَخطأ لَا يجب اتِّبَاعه عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول فِي مَوَاضِع من كتبه اخْتلف أفلاطون وَالْحق وَكِلَاهُمَا إِلَيْنَا حبيب غير أَن الْحق إِلَيْنَا وَإِذا جَازَ أَن يخْتَلف أفلاطون وَالْحق فَغير نَكِير وَلَا بديع أَن يخْتَلف ارسطاطاليس وَالْحق وَمَا عصم إِنْسَان من الْخَطَأ فَكيف وَمَا صَحَّ قطّ أَنه قَالَه

قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا قَالَ أَن النَّفس جَوْهَر لَا جسم من ذهب إِلَى أَنَّهَا هِيَ الخالقة لما دون الله تَعَالَى على مَا ذهب إِلَيْهِ بعض الصابئين وَمن كني بهَا عَن الله تَعَالَى

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا الْقَوْلَيْنِ سخف وباطل لِأَن النَّفس وَالْعقل لفظتان من لُغَة الْعَرَب موضوعتان فِيهَا لمعنيين مُخْتَلفين فأحالتهما عَن موضوعهما فِي اللُّغَة سفسطة وَجَهل وَقلة حَيَاء وتلبيس وتدليس

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما من ذهب إِلَى أَن النَّفس لَيست جسمًا مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام بِزَعْمِهِ فَقَوْل يبطل بِالْقُرْآنِ وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة فَأَما الْقُرْآن فَإِن الله عز وَجل قَالَ {هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت} وَقَالَ تَعَالَى {الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت لَا ظلم الْيَوْم} وَقَالَ تَعَالَى {كل امْرِئ بِمَا كسب رهين} فصح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت