ومن النادر الذي لا يقاس عليه عندهم قوله عليه السلام في حديث اللقطة2،".... فإن جاء صاحبها، وإلا استمتع بها ..."ويؤولون قوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} على تقدير"قسم"قبل الشرط؛ فيكون الجواب للسابق وهو القسم المقدر3؛ والأصل عندهم: ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون. فجملة؛"إنكم لمشركون"، جواب للقسم لا للشرط، ولم تذكر لام القسم مع أن القسم نفسه محذوف-"والأصل والله إن أطعتموهم ..."لأن ذكر اللام بعد حذفه ليس واجبا، وإنما هو أقوى وأكثر. وبهذا التأويل يقولون في آيات أخرى تشبه الآية السالفة في رأيهم، مع أنها تخالفها يفي شيء هام، ومن هذه الآيات قوله تعالى في المشركين: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، ووجه المخالفة هو أن المضارع مؤكد هنا بالنون؛ فالقسم محتم ليسوغ التأكيد بها4.
وقال آخرون: إن الفاء ليست محذوفة في الآيات السالفة -وما يشبهها- وإنما هي مقدرة ملحوظة؛ فكأنما مذكورة. ولكن كثرة النحاة لا ترتضى هذا الرأي5، مع
1 وكقول زهير في معلقته:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
2 سبق معناها في رقم 7 من هامش ص448 لمناسبة أخرى.
3 أما جواب الشرط فمحذوف يدل عليه جواب القسم"ولهذا صلة بما يجيء في رقم 2 من هامش ص486".
4 انظر ما يتصل بهذا الحكم اتصالا وثيقا في رقم 3 من هامش ص457.
5 جريا وراء الرأي الذي اختاره الرضي وآخرون. فقد جاء في شرحه للكافية -ج2 ص394- ما نصه:"قال بعضهم: إن قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} جواب الشرط، والفاء مقدرة. ولم يقدر قسما. وهو ضعيف؛ لأن ذلك إنما يكون لضرورة الشعر، كقوله:"
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الناس مثلا""
ا. هـ.
ومثله أبو حيان في كتابه البحر"ج4 ص213"حيث يقول:"زعم الحوفي أن قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} على حذف الفاء، أي: فإنكم، وهذا الحذف من الضرائر -أي: الضرورات- فلا يكون في القرآن وإنما الجواب محذوف. و {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} جواب قسم حذوف، والتقدير: والله إن أطعتموهم ...". ا. هـ. والخلاف بين الرأيين شكلي -كما سيجيء.