الصفحة 75 من 208

هذا التوفيق قاعدة كلية منضبطة، وألزموا كل أحد بالرد إليها، والتحاكم إليها [1] .

(1) مثال ذلك صفة (اليد) :

فإن المعتزلة طبقوا ما أسلفنا أعلاه ابتداء من فصل القرآن عن السنة حيث ورد النص النبوي صريحًا في مثل حديث: (كتب التوراة بيده) . انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (( 1) /126)، ومرورًا بفصل الآية عن المنهج، فإن آية {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: (64) ] جزءٌ من منهج الإيمان بصفات الله الكلي القطعي، وهم قطعوا النظر عن هذا المنهج بالكلية.

ثم اجتزاء اللغة كما في قولهم: إن اليد في اللغة تأتي بمعنى النعمة والقدرة. ثم الرد إلى المعنى المتشابه أو قواعد البلاغة مثل قولهم: إن قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: (29) ] مجازٌ؛ لأن المراد الإنفاق، فكذلك قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ، وتجاهلوا أن الآية المتعلقة بالإنسان لا تتفي أن يكون للإنسان يد، بل لفظة (اليد) فيها حقيقية، وإن كان المعنى الكلي للآية يتعلق بالإنفاق.

فكذلك اليدان في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} هي صفةٌ حقيقيةٌ لله، مع أن المعنى الكلي للآية في الإنفاق.

ثم التسعف في تطبيق اللغة نفسها، فإن التثنية في قوله: {بَلْ يَدَاهُ} ، وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: (75) ] لا تحتمل المجاز - أي القول بأنها النعمة أو القدرة - لأن المصدر لا يثنى.

ولهذا قال الإمام الدارمي: إن اليهود أثبتوا يدين مغلولتين، والله تعالى أثبت يدين مبسوطتين، فجاء المعطلة (من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة) فقالوا: ليس له يدان أصلًا.

وقل مثل ذلك في قولهم: إن القرآن مخلوق، ثم استدلالهم بكلمة (جعل) في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: (3) ] .

ومثله نفيهم للاستواء، واستدلالهم بالبيت السائب:

قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق

واستدلالهم على نفي الرؤية بأنهم وفّقوا بين القواطع العقلية وين قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] ونحوها. وهكذا في كل الصفات ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت