مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الحضارة ترقى ويرتفع شأنها بين الحضارات بسمو مبادئها، وارتقاء غاياتِها، ومن ذلك سمو النزعة الإنسانية في مقوماتها عن طريق شمولها لمطالب كل من ينتمي إليها، وبذلك تتنافس الحضارات، وتتفاضل فيما بينها.
وحضارتنا الإسلامية بلغت بذلك ذروة لم تصل إليها حضارة من قبل، رغم عراقة بعض الحضارات السابقة وبروزها في كثير من ضروب الحياة الإنسانية.
ومما تميزت به حضارتنا مجالات أعمال الخير، والإنفاق على أوجه البر، وهو ما عرف في الحضارة الإسلامية بنظام الوقف. وهذا النظام، وإن عرف عند بعض الحضارات غير الإسلامية - السابقة واللاحقة -، فقد جاء في أضيق مجالاته دون الغاية السامية التي أوجد هذا النظام من أجلها في الإسلام، وهي طلب الأجر والثواب من الله عز وجل، إذ كان الدافع الأكثر بروزًا في توجه بعض أصحاب المَبرَاَت الإنسانية غير الإسلامية إلى هذه الأعمال هو طلب الجاه أو الشهرة، أو خلود الذكر، بينما كان المحرك الأساس في أعمال البر والإنفاق عند المسلمين هو ابتغاء مرضاة الله عز وجل سواء أعلم الناس أم لم يعلموا [1] .
ونظرًا لسمو الغاية التي شُرع الوقف من أجلها في الإسلام، فقد شهد بداية قوية في عصر النبي صلى الله عليه وسلّم، وشهد نموًا وتطورًا كبيرًا في عصور الخلفاء الراشدين من بعده، ولم يمض إلا زمن يسير حتى بات أثر الوقف واضحًا، وتعددت
(1) مصطفى السباعي. من روائع حضارتنا. - ط 2. دمشق، بيروت 1397 هـ (1977 م) ، (صـ 121) .