الصفحة 74 من 703

أقول لإخواني: فارق كبير بين هؤلاء الطواغيت وبين مَنِ اجتهد لإصابة حكم الله - عز وجل - فأخطأ، وهذا هو الذي فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عمرو بن العاص وأبو هريرة في الصحيحين: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ [1] .

وظالمٌ ظلمًا شديدًا: من جعل أحمد بن حنبل في صفٍّ واحد مع جمال عبد الناصر وأنور السادات وغيرهما.

فلا أدري حين قال هذا الرجل هذه المقالة، هل كان يجلس في درسٍ أم كان يجلس في (غُرْزَة) ؟

الأئمة ثقاتٌ أثبات وعدالتهم يعرفها القاصي والدَّاني، وهم اجتهدوا في طلب حكم الله - عز وجل -، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.

أما هؤلاء الذين بدَّلوا الشرائع، أعرضوا عن شريعة الله - عز وجل - جملةً، بدليل أنهم خالفوا أمورًا مجمع عليها، فالخمَّارات تنتشر، والزنا عقوبته معلومة في القوانين الوضعية، وفيها أن الزاني قد يخرج براءة، وليس لله - عز وجل - حقٌ في هذه المسألة، وهذه أمورٌ غنيةٌ عن أن تُبيَّنَ وأن تُضربَ لها الأمثلة فهي واضحةٌ وضوح الشمس، لكن ابن القوصي لا يُبالي بما يقول؛ فهو يقول أي كلامٍ يخطر على لسانه. وأنا أظن في الحقيقة أن هذا من الإسهاب؛ فالإسهاب دائمًا يؤدي إلى الغلط. والصواب أن يكون الكلام الذي تتكلم فيه: مُحدَّدًا في عناصر ونقاط وإذا خرجتَ عن الموضوع، فالورقةُ أمامك، عليك أن ترجعَ لها.

أما الذين يُسهبون ويُطيلون: يُخطئون، ويقولون كلامًا ربما لا يعتقدونه، فأنا متأكد أن ابن القوصي لا يعتقد هذه الكلمة التي قالها.

ولذلك تجد ابن القيم يقول - كما سبق: أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فعندما يقول قائل: أنا سوف أقلد الشافعي، فهو يقلد الشافعي باعتبار أن الشافعي إمام من الأئمة الأثبات ويعرف كتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

فإذا قلتَ له: النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: كذا وكذا.

فيقول لك: يعني: الشافعي كان لا يعرف هذا الحديث؟ وأنت الذي عرفتَه!

إذن: هذا الرجل في النهاية جعل الشافعيَّ إمامًا له أو قائدًا له. يعني: المقلد كالأعمى الذي يطلب منك أن تعبرَ به الطريق. فكذلك الذين يُطيعون الأئمة إنما يُطيعونهم؛ لأنهم يعلمون أن طاعتهم: طاعة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وأما عن قول ابن القوصي: نحن أمرنا أن نكفر بالطاغوت ولم نؤمر بتكفيره، فأنا لا أعلمه إلا من كلام الأستاذ: حسن الهُضِيبي في كتاب: دعاة لا قُضاة، دار الطباعة والنَّشر الإسلامية صـ 162، حيث قال - رحمة الله عليه وعلى أموات المسلمين:

وفرقٌ كبير بين أن نكفر بالطاغوت فنُنكرَهُ ونجحدهُ ونكذِّبَ بدعواه ولا نتَّبعَهُ ولا نطيعَه، وبين أن نُصدرَ عليه حكمًا بأنه كافر ...

ثم ساق كلامًا فيه تخليط.

وأقول: الطاغوت هو كل ما عُبدَ من دون الله ورضي بهذه العبادة. فليس عيسى - عليه السلام - طاغوتًا كما أوهمَهُ كلام: الأستاذ ابن القوصي الذي لا يبالي بما يقول.

فتاوى اللجنة الدائمة في هذه المسألة [2] :

السؤال الثالث من الفتوى رقم (8008) :

س 3: ما معنى الطاغوت عمومًا؟ مع الإشارة إلى تفسير ابن كثير لآية النساء: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:60] ، المراد هنا توضيح أمرين:

الأول: ما معنى الطاغوت عمومًا، وهل يدخل كما قال ابن كثير: طاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه دون الله، لكي نصل إلى تكفير الحاكم والمتحاكمين إليه حال كونه لا يحكم بشرعه سبحانه.

الثاني: معنى قوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا} [النساء:60] ، قال بعضهم: الإرادة هنا لا تحصل إلا بالباطن [3] ، ولا يَعلمُ أحد به؛ لذا فلا يُحكم بكفر المتحاكم إلا بتوافر شرط العلم بالإرادة الباطنية

(1) - أخرجه البخاري (6919) في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ومسلم (4584) في كتاب الأقضية، باب: باب بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ. وأبو داود (3576) في كتاب الأقضية، باب: باب فِى الْقَاضِى يُخْطِئُ. والترمذي (1326) في كتاب الأحكام، باب: ما جاء في القاضي يصيب ويخطئ. وابن ماجة (2314) في كتاب الأحكام، باب: الحاكم يجتهد فيصيب الحق. والنَّسائي (5381) في كتاب آداب القضاء، باب: الإصابة في الحكم. وأحمد (17774، 17816، 17820) .

(2) - فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى صـ (542) .

(3) - تأمل كلام اللجنة الدائمة؛ لتعلم أن العلماء لا ينظرون إلى الإرادة على أنها أمر باطني، وإنما إذا ثبت أن هذا الإنسان ليس سكرانًا ولا مُكرهًا ولا نائمًا ولا مجنونًا ولا صبيًا، فيكون هذا الرجل بذلك مريدًا للكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت