وهذه المسألة أعني مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل الكبرى التي ابتلي بها حكام هذا الزمان فعلى المرء أن لا يتسرع في الحكم عليهم بما لا يستحقونه حتى يتبيَّن له الحق لأن المسألة خطيرة - نسأل الله -تعالى- أن يصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم - كما أن على المرء الذي آتاه الله العلم أن يبيِّنه لهؤلاء الحكَّام لتقوم الحجة عليهم وتبيين المحجة، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ولا يحقرن نفسه عن بيانه، ولا يهابن أحدًا فيه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. والله ولي التوفيق [1] .
نقرأُ كلام الشيخ شاكر ~، يقول ابن كثير:
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ.
يقول الشيخ شاكر في الهامش: رواه الحاكم (2/ 313) ، ولفظه: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون [2] إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} : كفر دون كفر. ووافقه الذهبي على تصحيحه، وهذه الآثار - عن ابن عباس وغيره - مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرآء على الدين: يجعلونها عذرا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضربت على بلاد الإسلام. وهناك أثر عن أبي مجلز، في جدال الإباضية إياه، فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة [3] ، عمدًا إلى الهوى، أو جهلا بالحكم. والخوارج، من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء، ليكون ذلك عذرا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف. وهذان الأثران رواهما الطبري: (12025، 12026) . وكتب عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقًا نفيسًا جدًا، قويا صريحا. فرأيت أن أثبت هنا نص أولى روايتي الطبري، ثم تعليق أخي على الروايتين. فروى
(1) - مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (2/ 144 - 147) فتوى رقم (227) . وكتاب إزالة الستار عن الجواب المختار ... (90 - 92) .
(2) - يذهبون، عائدة على الخوارج.
(3) - لاحظ أنهم لم يبدلوا الشريعة.