الصفحة 100 من 703

نفسه على أن يطلب مفاتيح كتب العلم، تعلم النحو والحديث ثم بعد ذلك خاض في جميع المسائل، وما قرأ شيئًا في أصول الفقه ولا كثيرًا في الفقه حتى يعلم كيف تُناقش الأمور الخلافية، واقتصر على قراءة بعض المصنفات المتعلقة بمسألة الإيمان ثم بعد ذلك خرج إلى الناس واعتبر نفسه مجتهدًا وقال إنَّ هؤلاء إن لم يأخذوا بكلامي فيلزمهم أن يرحلوا إلى غيري من العلماء الأشاوس ليأخذوا بكلامهم.

قال ابن رجب: ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم وكل منهم يظهر أنه يبغض لله وقد يكون في نفس الأمر معذورًا وقد لا يكون معذورًا بل يكون متبعًا لهواه مقصرًا في البحث عن معرفة ما يُبغض عليه فإن كثيرًا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق وهذا الظن خطأ قطعًا وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه فهذا الظن قد يُخطئ ويصيب وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى والأَلفة أو العادة [1] وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرَّز في هذا غاية التحرز وما أشكل منه [2] فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نُهيَ عنه من البغض المحرم وهاهنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا ويكون مجتهدًا فيه مأجورًا على اجتهاده فيه موضوعًا عنه خطئوه فيه ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لَمَا قَبِلَهُ ولا انتصر له ولا والى من يوافقه ولا عادى من خالفه ولا هو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده , وأما هذا التابع فقد شابه انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه

(1) - تذكر كلام ابن القيم - رحمه الله - فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنة: أخرجه عن الاعتصام بها. وإن رأى فيه حرصًا على السنة وشدة طلب لها: لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلا له: إن هذا خير وطاعة والزيادة والاجتهاد فيها أكمل فلا تفتر مع أهل الفتور ولا تنم مع أهل النوم فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يُخرجَه عن الاقتصاد فيها فيخرج عن حدها كما أن الأول خارج عن هذا الحد فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر ... أهـ من المدارج (2/ 107) طبعة: دار الكتاب العربي - بيروت.

(2) - وهذا مثل من يقول يا شيخ: تُهنا في هذه المسألة، نسمع هنا كلام وهناك كلام آخر، فأقول: إذا تُهتَ فلا تُدخل نفسك في هذا الأمر، وإن أردت أن تخوض فيه فَلْتَخُض بالعلم والعدل وإلا فلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت