(ولا خلوت الدهر من حاسد ... فإنما الفاضل من يحسد)
ولذلك قال بعض العرب «السيد من إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر عبناه» . وكذلك تستعار ألفاظ المدح في موضع الذم فيكون ذلك أشد على المذموم من لفظ الذم بعينه؛ لأن في ذلك مع الذم نوعًا من الهزء، كقولهم للأحمق: يا عاقل، وللجاهل: يا عالم! وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم؛ فكذلك إذا استعيرت لفظة التقليل مكان التكثير [كان أبلغ في المدح والفخر؛ لأنه يصير المعنى ما ذكرناه من أن الشيء الذي يكثر منه يقل من غيره، فيكون] أبلغ من لفظ التكثير المحض ولو وقع ههنا. وكذلك يستعيرون (كم) في موضع التقليل على وجه الهزء ويقولون: كم بطل قتل زيد! وكم ضيف قرى! وهو لم يقتل بطلًا ولم يقر ضيفًا، فيكون أبلغ من قولهم: جبان، وهو بخيل. ويدل على أن هذا غرضهم في ذكر (رب) في هذا الموضع أنهم قد صرحوا به في مواضع كثيرة من أشعارهم، كقول سالم بن وابصة:
(وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق)