فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 56

واعلم أن القصد الأول للمخبر من خبره هو إفادته المخاطب الحكم [1] وقصد المتكلم بالجملة الإنشائية إيجاد مدلول الإنشاء ففي الأمر يقصد إيجاد المأمور به ويسمى الامتثال وفي النهي يقصد عدم إيجاد الفعل ويسمى الانكفاف وفي الاستفهام يقصد الجواب بالإفهام وهكذا.

وقد يخاطب بالخبر من يعلم مدلوله ويخاطب بالإنشاء من حصل منه الفعل المطلوب فيُعلم أن المتكلم قصد تنزيل الموجود منزلة المعدوم لنكتة قد تتعلق بالمخاطب أما لعدم جري العالم على موجب علمه كقول عبد بني الحسحاس.

* كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا* فإن المقصود منه تذكير من لم يزعه الشيب والإسلام إذ قد علم كل الناس إنهما وازعان، وأما لأن حاله كحال ضده كقولك للتلميذ بين يديك إذا لم يتقن الفهم يا فتى فإنك تطلب إقباله وهو حاضر لأنه كالغائب، وأما لقصد الزيادة من الفعل نحو (( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ) )فطلب منهم الإيمان بعد أن وصفهم به لقصد الزيادة والتملي منه وأما لاختلال الفعل حتى كان غير مجد لفاعله مثل قوله صلى الله عليه وسلم للذي رآه يصلي ينقر نقر الديك (( صل فإنك لم تصل ) )وهذا كثير في كلامهم، وقد تتعلق النكتة بالمتكلم ليريك أنه عالم بالخبر كقولك لصاحبك سهرت البارحة بالنادي وقول عنترة

إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زُمَّت ركابكم بليل مظلم

وعلامة هذا أن يكون الكلام دالًا على أن المخاطب لا يجهل الخبر فإنك إذا حدثته عن أحواله لا تقصد أن تعلمه بما هو معلوم لديه.

(1) إذ لا يقصد المتكلم من كلامه مجرد النطق به كالسعال والأنين وأما قول الحطيئة:

ابت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بسوء فما أدري لمن أنا قائله

فذلك ضرب من التمليح إذ جعل نفسه لا يستطيع البقاء بلا هجاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت