حيث يقول علماء القراءات: قرأ جمهور السبعة كذا وقرأ أبو عمرو كذا، عند بحثنا عن هذا الاختيار الذي ذهب إليه أبو عمرو واختاره نجده يحمل عمقًا في اللغة وأكثر دلالة على المعنى، وعند ذلك ندرك سبب اختياره لهذه القراءة التي خالف فيها جمهور القُرَّاء وأمثلة ذلك كثيرة في كتاب الله تعالى، فمثلًا في سورة نوح - عليه السلام - في قوله تعالى [1] قال ابن خالويه:"إجماع القُرَّاء على جمع السلامة إلاَّ أبا عمرو فإنّه قرأه (خطاياهم) على جمع التكثير وقال: إنَّ قومًا كفروا ألف سنة لم يكن لهم إلاَّ خطيئات [2] بل خطايا."
ومن أمثلة ذلك في سورة لقمان في قوله تعالى [3] ، قال ابن خالويه موجهًا لاختيار القُرَّاء في هذه الآية:"قوله تعالى يقرأ بالرفع والنصب، والحُجَّة لمن رفع أنّه رده على (ما) قبل دخول (أنَّ) عليها أو استأنفه بالواو كما قال [4] ، والحُجَّة لمن نصب أنَّه رده على اسم (أنَّ) [5] ."
فإن قيل إنّ شرط أبي عمرو أن يرفع المعطوف على (أنّ) بعد تمام الخبر كقوله [6] ، فقل حجته بذلك أنّ (لو) تحتاج إلى جواب يأتي بعد الابتداء والخبر، فكان المعطوف عليها كالمعطوف على (أنّ) قبل تمام خبرها، والدليل على ذلك أنَّ تمام الخبر ها هنا في قوله ، وهذا أدلّ دليل على دقة تمييز أبي عمرو ولطافة حذقه للعربية" [7] ."
(1) سورة نوح، الآية (25) .
(2) لأنّ جمع المؤنث السالم من جمع القلة.
(3) سورة لقمان، الآية (27) .
(4) سورة آل عمران، الآية (154) .
(5) الصحيح أنَّ أبا عمرو لم ينفرد بهذه القراءة، فهي قراءة يعقوب أيضًا، وقرأ بالرفع الباقون. انظر: ابن غَلْبُون
"ت 399هـ": التذكرة، 2/497، وغاية الاختصار، 2/615.
(6) سورة الجاثية، الآية (32) .
(7) ابن خالويه: الحُجَّة في القراءات السبع، ص 286.