فبعد المتوكل فقدت المعتزلة نفوذها السياسي كما فقدت سيطرتها على عامة الناس الا أنها استطاعت أن تعيد بعد الثقة لنفسها وللاعتزال في الوسط العلمي بواسطة رجال جهابذة تميزوا بحدة الذكاء وقوة القريحة جلبت اعجاب الكثير من الشباب المثقف، الذكي وأصبح المقرر عندهم أن المعتزلة يتصفون بدقة النظر واتساع الفكر، وأن آراءهم وما وصلوا اليه من نتائج أقرب الى العقل.
وبالعكس من ذلك لم تظهر في الحنابلة شخصية قوية بعد الامام أحمد بن حنبل تستطيع أن تجادل المعتزلة بالأساليب الجديدة التي نشرها المعتزلة، فكان من نتيجة ذلك ظهور المعتزلة على الحنابلة والمحدثين في مجالس البحث والمناظرة، وبدأ الناس يشعرون أن المدافعين عن السنة وممثليها متخلفون عن ركب العلم السائر ويجهلون مبادىء الفلسفة، وأصبحوا مأخوذين ببلاغة المعتزلة وسرعة استحضارهم، وتدقيقهم في المسائل الكلامية وتعمقهم فيها، وأصبح كثير من الشباب المثقف يستخفون بظاهر الشريعة، ويعتقدون أن مسلك السلف وما ذهبوا اليه من عقائد لا يقوم على البحث العلمي والاساس العقلي...
وقد كان هذا الوضع خطيرا على مركز الدين والسنة في نفوس المسلمين، وقد صار هؤلاء المتفلسفون يعبثون بتفسير القرآن وعقائد الاسلام، تتحكم فيها أهواؤهم وعقولهم، ووجد في الاوساط العلمية اتجاه عنيف نحو تقديس العقل وتحكيمه في المسائل التي لا تقوم الا على التعليمات النبوة والايمان بالغيب. وقد عجز عن مقاومة هذا التيار العنيف ورده المحدثون المتصلبون والحنابلة المتحمسون والفقهاء البارعون، فلم يكن لديهم السلاح القوي الذي يقوم في وجه هذا التيار العقلي ويرده على أعقابه.
كما أن فقدان المعتزلة سلطتها السياسية ومصداقيتها عند عامة الناس كان مساعدا لانتشار ونشاط فرق أخرى أخذت بالنص والظاهر الى حد التشبيه كالكرامية والمشبهة والمجسمة.