وغيره هذا الترداد للآيات هو من شواهد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتدبرون القرآن لأن الترداد والتكرار لهذه الآيات إنما هو للنظر في معانيها، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطيلون البكاء عند آيات الكتاب ولا عجب فقد رأوا ذلك من رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وقبل ذلك فإن الله جل وعلا أثنى في كتابه على الأنبياء وعلى أولي العلم الذين يخرون للأذقان سجدًا والذين يخرون للأذقان يبكون مما في هذا الكتاب من المواعظ قال الله جل وعلا في وصف جماعة من الأنبياء: ?أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا? (1) وانظر إلى قوله: ?خَرُّوا? الذي يدل ويشعر بالمسارعة إلى السجود وأن السجود سجود ذل وخضوع وانكسار وتضرع ?خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا? أيضًا أخبر الله جل وعلا عن قوم من أهل الكتاب فقال سبحانه وتعالى: ?وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ? (2) فشواهد ثناء الله جل وعلا على الباكين عند تلاوة القرآن كثيرة وهي من الفضائل التي امتدح الله بها من امتدح من النبيين ومن أولي العلم وممن تعقلوا وتدبروا ما في هذا الكتاب من الحكم ولذلك كان سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - من أعظم الخلق نصيبًا في ذلك ففي حديث عبدالله بن الشخير قال:"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا -أي يصلي بالصحابة- وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء" (3) والأزيز هو الحركة والحنين
(1) …مريم: 58.
(2) …المائدة: 83.
(3) …أخرجه أحمد في من برقم 15722.