فهؤلاء جميعا يقصدون بمتشابه القرآن ، ما يؤدى الخوض فيه إلى الضلال من جهة التجهم على وصف الغيبيات ، وتصوير ما فيها من الكيفيات ، وتمثيلها من خلال الأقيسة التي تحكم سائر المخلوقات ، أو القول بتعطيل الصفات ، وتأويلها على غير مراد الله من الآيات ، والنتيجة التي نصل إليها من هذه الرؤية ، أن القرآن جميعه محكم المعنى لقوله تعالى عن جميع آيات القرآن: { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } (1) ، أي أحكمت باعتبار المعنى ، فليس في القرآن كلام بلا معنى ، أما من جهة الكيفية التي دلت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، فبعضها محكم معلوم ، وبعضها متشابه مجهول ، وهذا المقصود بقول الإمام مالك رحمه الله:
( الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ) ، وهو المعنى المشار إليه في قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } (2) ، فلو سأل سائل عن استواء الله الذي ورد في قوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } هل هو من المحكمات أم من المتشابهات ؟ قيل له: الاستواء محكم المعنى ، متشابه الكيف .
(1) ود:1.
(2) ل عمران:7 .