يجب أن نعترف قبل البحث في مشكلة المعرفة بأننا إزاء حالة لا يملك فيها الفريقان، المثالي والمادي، الدليل العلمي على أسباب الخلق، فلا أحد شاهد الله وإنما شاهد الأسباب، ولا أحد شاهد الصدفة، وإنما شاهد الأسباب. ولذلك بقي وسيبقى الجدل نظريًا، وستقوم حجة كل فريق على مستوى من البلاغة اللغوية ما داما يعتمدان في تبرير معتقداتهما على العقل الذي هو واحد عند الطرفين من حيث قدراته ومؤهلاته وتركيبه. وهذا ما سيدخلنا في قضايا السفسطة والسفسطائيين حيث ستكون الحجة تابعة للبرهان. فالأكفأ سيبرهن على صحة قضيته في مسألة كلها غيب، وليس هناك أي مجال للتجريب فيها. وبذلك سيصبح العلم تابعًا للبلاغة، مما سيؤدي إلى ضياع الحقيقة. ولدى كل فريق كما هو معروف من أهل البلاغة والفلاسفة والمناطقة ما يكفي لدحض حجج الخصم وتحطيمها والكشف عن نقاط الخلل فيها. وقد استطاع تلميذ كما هو معروف بأن يستنتج عكس ما استنتجه أستاذه من قضية واحدة. فهذا الأستاذ كان قد وقع اتفاقًا مع تلميذه بأن يعلمه المحاماة لقاء أجر معين، ولكن هذا الأجر لا يستحق للأستاذ إلا بعد أن يعمل التلميذ في المحاماة ويربح القضية الأولى. وقد قام الأستاذ بتدريب تلميذه حتّى اكتمل تعليمه. وراح ينتظر أجره. إلا أن التلميذ لم يعمل بالمحاماة. وحين طالبه الأستاذ بالأجر. أجابه وفقًا للعقد، لا تستحق الأجر حتّى أربح أول قضية، وأنا لم أربح أي قضية كي تطالبني. فهدده برفع دعوى عليه، فقال التلميذ: إذا رفعت الدعوى ستكون أنت الخاسر، لأنك إذا ربحت الدعوى فسأكون أنا قد خسرت وبذلك لا يحق لك أن تطالبني بالأجر. وإذا ربحت الدعوى عليك، فسأكون قد أعفيت من دفع الأجر بحكم القانون. فأجاب الأستاذ: أنت مخطئ لأنني إذا ربحت الدعوى عليك فسيكون عليك أن تدفع لي أجري بحكم القانون. وإذا خسرت الدعوى وربحتها عليّ فسيكون عليك أن تدفع أجوري طبقًا لاتفاقنا الذي يلزمك بدفع أجري عندما تربح أول دعوى.